logo
نزوح فلسطيني موروث على ايقاع حروب لا تنتهي…شتات يلد آخر
الأحد 14/06/2026

• سماء أبو شرار

لم تختر ايمان الرفاعي اللجوء في مخيم برج الشمالي، جنوب لبنان، بعيدا عن مسقط رأسها لوبية قضاء طبريا، ولم تختر النزوح من مخيمها إلى مخيم البداوي شمال البلاد. نزوح ايمان وعائلتها من برج الشمالي إلى البداوي ليس النزوح الأول في الحرب الإسرائيلية على لبنان، بل الثالث، فقد نزحت في المرتين الأخيرتين إلى مخيم عين الحلوة في صيدا لتبقى قريبة من مخيمها الأم.
أُجبرت ايمان وعائلتها في حرب 2024 على النزوح إلى سوريا ومن هناك إلى مخيم نهر البارد قبل أن تعود إلى مخيم برج الشمالي مع إعلان وقف إطلاق النار. في كل مرة كانت تختار النزوح لحماية أطفالها وتترك وراءها زوجها الذي كان يرفض النزوح كالكثير غيره من الرجال الذين يختارون البقاء في مخيماتهم بالرغم من خطورة الوضع. «بنزح أنا وولادي، بخاف، همه صراحة الخيارين صعبين إنك تضلي تحت القصف صعب وإنك تنزحي كمان موضوع صعب بس بتحاولي قدر الامكان تحافظي على حياتك وحياة الأولاد» تقول ايمان التي تؤكد أن الشعور بالضياع حول قرار النزوح أو عدمه لا يفارقها. «أنا كل مرة بنزح فيها بحس انه ما رح أرجع، هذا الاحساس لا يفارقني، وهذا الشي يلي مخلي الواحد في حالة قلق وخوف حتى في أشياء بخاف أشتريها، بحس حالي إذا جبت هاي الأشياء معناته انه أنا بدي أطول انه هذا فال مش منيح».
تختصر ايمان النزوح بكلمة واحدة وهي «القهر» الذي يدمر الإنسان وحياته واستقراره النفسي. «القهر الناتج عن النزوح اللي عاشوه أهالينا، ونحن عشناه، وللأسف امتد لأولادنا، يعني ولادي الي لسه ما تجاوزت أعمارهم الـ 17 سنة صاروا مارقين بحربين و5 تجارب نزوح وكأن هذا قدرنا بهالبلاد وهيك انكتب علينا» تنهي ايمان حديثها بحسرة.
حال ايمان لا يختلف كثيرا عن حال كثيرين غيرها إلا بالتفاصيل الخاصة بكل نازح. النزوح بشهادة الجميع قاس بكل تفاصيله. بغض النظر ان كان في مركز إيواء أو عند أحد الأقارب أو في شقق مستقلة.

النزوح وتكاليفه النفسية

بسام جميل الذي ينحدر من طبريا لجأ من سوريا إلى لبنان في العام 2013 خلال الحرب السورية ليستقر به الحال في مدينة بعلبك البقاعية. لم يكن لبنان لطيفا مع اللاجئين الفلسطينيين من سوريا كبسام، وضع في طريقهم قيودا تفوق التي يعاني منها اللاجئ الفلسطيني في لبنان كحرمانه من الإقامات الشرعية وأي من الحقوق المدنية والتي جعلت الغالبية منهم مسكونة بهاجس السجن أو الترحيل أو تشتت العائلة «اللجوء حجارة في الحلق والصدر، لا تسمح لنا بالصراخ ولا بالتنفس»، يقول بسام الذي نزح من مخيم العائدين في سوريا إلى منطقة ريفية لعدة أيام قبل عبور الحدود إلى لبنان.
رحلة بسام في النزوح لم تنته عند هذا الحد، اضطر خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024 للنزوح إلى مدينة زحلة واللجوء إلى مركز إيواء في إحدى مدارس المدينة برفقة والده المريض بالزهايمر ووالدته وشقيقته. بعكس فلسطينيي لبنان الذين يحتضنهم المجتمع المحلي في المخيمات الفلسطينية المختلفة، لم يشعر بسام يوما «بالانتماء أو بحفاوة الاستقبال» في كل مراحل النزوح «بل بوجود تنافسية عجيبة من المجتمع المحلي، كأن حضورنا بينهم سيفقدهم ميزات وأرزاق». ويعتبر بسام أن «النزوح إلى مخيم آخر أصعب من النزوح خارجه بوجود هذه الحالة التنافسية الغريبة بين المسحوقين». بسام وعائلته اختاروا البقاء في بعلبك خلال الحرب الحالية بسبب الصعوبات الجمة التي واجهوها في رحلات نزوحهم السابقة إن كان على الصعيد النفسي أو الاقتصادي. «النزوح هو بذاته فعل يتبع حالة طوارئ وهذا يعني اننا لا نكون مستعدين لتكاليفه النفسية والمالية وحتى الجسدية، فهو بالنسبة لنا تنفيذ لحكم قضائي قاس رغما عنا» يقول بسام بغصة.

النزوح يسرق حياة الإنسان
تشير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في تقريرها الأخير حول الاستجابة الطارئة في لبنان ـ الذي يغطي الفترة بين 20 أيار/مايو و2 حزيران/حزيران ـ إلى ارتفاع أعداد اللاجئين النازحين إلى مركزي الإيواء الطارئين التابعين للوكالة في «معهد سبلين» في الجنوب و«مدرسة بتير» في مخيم نهر البارد شمال لبنان بنحو 59 في المئة. جاء الارتفاع الذي طرأ من 1264 نازحا إلى 2148 نازحا عقب إنذارات الإخلاء والعدوان الإسرائيلي المتواصل على مخيمات وتجمعات صور لا سيما مخيمات الرشيدية والبص وبرج الشمالي.
تشير الوكالة الدولية في تقريرها إلى وجود 728 نازحا لبنانيا، 724 نازحا من فلسطينيي لبنان، 436 نازحا سوريا، 241 نازحا من فلسطينيي سوريا، 15 نازحا من جنسيات مختلفة و4 نازحين من فئة غير المسجلين من اللاجئين الفلسطينيين.
رانية سعد الله واحدة من هؤلاء اللاجئين الذين اضطروا للنزوح من مخيم الرشيدية في صور إلى منزل أحد الأقارب في مدينة صيدا. تعددت رحلات النزوح، فقدت رانية بين النزوح الأول والثاني والدتها المريضة، بات ما تلاه من نزوح أصعب عليها بسبب ترك والدتها خلفها. «أصعب ما في هذا النزوح أني حاسة كأنه عم أترك أمي لحالها، عم أترك قطعة مني في الجنوب»، تشرح رانية التي لم تمنعها الاعتداءات وإنذارات الإخلاء الإسرائيلية المستمرة لصور من التسلل بين الحين والآخر لزيارة ضريح والدتها. تؤكد رانية أن النزوح يسرق حياة الإنسان «وكأن الشخص ينتقل من عالم لعالم تاني، عالم لا يشبهك ولا يخصك تنعدم فيه أدنى مقومات الخصوصية».
رانية كغيرها من اللاجئين النازحين ترفض فكرة عدم التمكن من العودة إلى مخيمها، تعتبرها «موتا على البطيء» بالنسبة لرانية وكثيرين مثلها بات المخيم «وطن صغير» لا يمكن اجتزاءه من حياة اللاجئ، تقول إن «مجرد العودة إلى المخيم ترجع لنا روحنا».

محطات النزوح القسري
واقع النزوح القسري للاجئين الفلسطينيين لا يقتصر على حربي 2024 و2026، فللاجئين الفلسطينيين تجربة معتقة مع النزوح خلال الحروب المتتالية والصراعات الداخلية في لبنان. تشير الدراسات إلى وجود أكثر من محطة نزوح قسري فلسطيني داخل لبنان، بدأت في الستينيات من القرن الماضي لتمتد ليومنا هذا، بعضها أدى إلى تدمير أكثر من مخيم فلسطيني كتل الزعتر، جسر الباشا، النبطية ونهر البارد، ما أدى إلى نزوح العديد من سكان هذه المخيمات إلى مخيمات أخرى والاستقرار فيها.
تاريخيا كان هناك «حراك ديموغرافي» داخل المخيمات، يقول الباحث في دراسات اللاجئين والهجرة القسرية جابر سليمان، ويعيد هذا الحراك إلى تدمير المخيم أو لأسباب أخرى. يعتقد سليمان أنه في ظل الشروط السياسية الحالية والتهديد الإسرائيلي القائم في الجنوب وفي حال تمدده إلى شمال الليطاني، قد يضطر الكثير من سكان مخيمات وتجمعات صور الذين لجأوا إلى مخيمات أخرى للبقاء فيها ويبقى جزء من العائلة كالشباب في المخيم الأصلي. «عودة النازحين مربوطة بعودة الوضع في الجنوب إلى حالته الطبيعية وإذا لم يتمكنوا من العودة سريعا سيبقون في المخيمات التي نزحوا إليها ويبنون حياة جديدة وهذا ما حصل سابقا».
يعزو جابر نزوح الغالبية العظمى من اللاجئين الفلسطينيين إلى مخيمات أخرى للعامل الاقتصادي وكلفة النزوح. «النازح إلى المخيمات بإمكانه السكن لدى الأقارب أو الأصدقاء، كما أن إمكانية توفر المساعدات أكبر من قبل الجمعيات المختلفة، بالإضافة إلى أن الكثيرين يعتقدون بأن النزوح إلى المخيم يوفر لهم التزاما أكبر من قبل الأونروا» ويؤكد على أن «العامل الاقتصادي هو المحرك وليس المكان».
يتفق علي هويدي، المدير العام للهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين، مع هذا الطرح، ويؤكد على أن العامل الرئيسي الذي يتحكم في نزوح اللاجئين ان كان إلى مخيمات أخرى أو إلى خارج المخيمات أو العزوف عن النزوح هو الشق الاقتصادي. يشير هويدي إلى الإحصائيات المتوفرة التي تفيد بأن «العدد الأقل من النازحين توجه إلى مركزي الإيواء التابعة للأونروا جنوب وشمال لبنان بينما انتقل العدد الأكبر إلى المخيمات والتجمعات والمدن شمال نهر الزهراني كمخيم المية ومية وعين الحلوة ومدينة صيدا وتجمع وادي الزينة وغيرها».
يضيف هويدي أن هؤلاء في غالبيتهم يقيمون عند معارف أو أقارب لأن امكانية الاستئجار شبه معدومة «ما يشكل عبئا إضافيا على الأقارب والمعارف» لاسيما وأن نسبة البطالة بين اللاجئين الفلسطينيين وفقا للأونروا وصلت إلى 45 في المئة فيما تجاوزت نسبة الفقر قبل العدوان الإسرائيلي الأخير الـ 80 في المئة». ويعزو هويدي عزوف البعض عن النزوح لسببين، الأول العامل المادي والثاني انعدام الخصوصية.
تشير دراسة للمؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان «شاهد» صدرت في آذار/مارس الماضي إلى مساهمة الحرب في تعميق الأزمة الاقتصادية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، الذين تعيش غالبيتهم تحت خط الفقر، وتعتمد بشكل أساسي على المساعدات الإنسانية. كما تظهر الدراسة أن تعطل الحركة الاقتصادية وإغلاق العديد من المرافق والخدمات نتيجة القصف الإسرائيلي أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وانعدام الأمن الغذائي في المخيمات.
خسر العديد من اللاجئين وظائفهم خارج المخيمات ـ وفقا للدراسة ـ تحديدا في مدن كبيروت وصور نتيجة المخاطر الأمنية والقيود المفروضة على الحركة خلال الحرب مما أدى إلى بقاء العديد من الأسر من دون أي مصدر دخل.
وتفيد دراسة «شاهد» بأن القلق من تدهور الأوضاع المعيشية وانعدام الأمن الغذائي بات هاجسا حقيقيا لدى اللاجئين الفلسطينيين ما يؤدي إلى رفع مستويات الضغط النفسي والتوتر الاجتماعي بين سكان المخيمات.

من يلبي احتياجات النازحين؟
ترى غالبية اللاجئين الفلسطينيين النازحين بسبب الحرب أن التقصير في مد يد العون يشمل جميع الأطراف، بدءا من الأونروا وصولا إلى الفصائل الفلسطينية المختلفة مرورا بالدولة اللبنانية، حيث اقتصر دور الأونروا على توفير مركزي إيواء وبعض المساعدات العينية والنقدية.
«المطب الأكبر الذي وقعت في الأونروا أنه لم تكن لديها خطة طوارئ وسيناريوهات معدة مسبقا للتعاطي مع النزوح، رغم أن الكثير من المؤشرات كانت تتجه نحو انفجار الوضع الأمني في لبنان وتأثر المخيمات بشكل مباشر وغير مباشر» يشرح هويدي مشيرا إلى أن الأونروا أطلقت خطة الطوارئ بعد بدء العدوان الإسرائيلي على لبنان ورصدت ميزانية تتجاوز الـ 12 مليون دولار لتلبية الاحتياجات، «لكن الملفت أن الوكالة تعتمد بشكل رئيسي في خدماتها داخل مراكز الإيواء على الشركاء في تقديم كل شيء من طعام ومياه واحتياجات أخرى ثم تقوم بتوزيعه».
يتوقف جابر سليمان عند وجود تقصير تاريخي في تلبية احتياجات النازحين سواء في الحرب الأهلية اللبنانية أو ما تلاها من حروب إسرائيلية على لبنان، إن كان من قبل الأونروا أو الفصائل الفلسطينية «دائما يكون حجم الاحتياجات أكبر بكثير من الخدمات المقدمة في ظل العجز المستمر في موازنة الأونروا التي تقدم الحد الأدنى كفتح مراكز إيواء» يستطرد قائلا.
يتفق سليمان وهويدي على أن الفصائل الفلسطينية لا تقدم شيئا يُذكر «عمل الفصائل يقتصر على إحصاء النازحين داخل المخيمات». يشير سليمان بتهكم إلى أن «مهمة الفصائل باتت تقتصر على انتقاد الأونروا أكثر من تقديم خدمات» ووضع العبء الأكبر على الأونروا والمجتمع الأهلي.
يقول أمين سر اللجنة الشعبية في مخيم مار الياس في بيروت وليد الأحمد إن النازحين ينسقون مع اللجان الشعبية عند وصولهم إلى المخيم، تتولى اللجنة التعداد والإحصاء وتأخذ البيانات من العائلات التي يحتضنها المخيم وهي في غالبيتها لبنانية، ويشير إلى نزوح بعض العائلات الفلسطينية من مخيم برج البراجنة عندما كانت ضاحية بيروت الجنوبية تحت التهديد الإسرائيلي وإنذارات الإخلاء.
يعزو الأحمد السبب الرئيسي لتواصل النازحين مع اللجنة الشعبية إلى تأمينها بعض الخدمات. «نحن كلجنة شعبية في مخيم مار الياس قدمنا منذ بدء النزوح فرشات وحرامات وأدوات النظافة الشخصية وبعض المواد الغذائية بالإضافة إلى تأمين الوجبات الساخنة» كما قدم بعض المؤسسات طرودا ومواد غذائية ودعما نفسيا وبعض مستلزمات كبار السن، علاوة على تنظيم أنشطة ترفيهية للنازحين.
في هذا السياق تؤكد الناشطة الاجتماعية دلال شحرور في مخيم البداوي على أن عدد النازحين إلى المخيم وفقا لآخر إحصاءات اللجنة الشعبية وصل إلى 400 عائلة. «ما يحصل عادة أن النازح يقيم عند أقاربه لحين استئجار منزل خاص به ومن ليس له القدرة على ذلك يتم تحويله من قبل اللجنة الشعبية إلى مركز الإيواء في مدرسة بتير في مخيم نهر البارد»، تشرح شحرور مشددة على أن غالبية النازحين يتوجهون إلى اللجنة الشعبية لتسجيل بياناتهم لأن المؤسسات المختلفة تعتمد على بيانات اللجان الشعبية لتقديم المساعدات. وتؤكد على أن قلة قليلة من الميسورين الذين لا يرغبون في تلقي المساعدات لا تسجل أسماءها لدى اللجنة الشعبية.
تعتبر شحرور أن من أهم التحديات التي تواجه اللجنة، تذبذب أعداد النازحين، تحديدا في هذه الحرب. «الأعداد تتغير مع كل إعلان وقف إطلاق نار ومع كل إنذار إخلاء»، وتفيد بأن شح المساعدات تحد آخر خلال العمل الميداني مع النازحين لتغطية احتياجاتهم.
مع كل موجة نزوح يخسر النازح شيئا من ذاته، ومن كرامته الإنسانية، ومع كل موجة نزوح تتضاءل فرص الصمود في بيئة حافلة بالتحديات اليومية. «نواجه بقدر المستطاع للحفاظ على قيمنا الإنسانية في أي مكان ننزح إليه، الانتظار أو مطاردة حلم العودة، مساران ضاغطان وضريبتهما عالية» يقول بسام جميل. فهل باتت أحلام اللاجئين النازحين تضيق من أمل عودة إلى قراهم ومدنهم في فلسطين المحتلة لتأخذ منحى العودة إلى مخيماتهم وبيوتهم وحياتهم التي أُجبروا على تركها؟
عن القدس العربي

مشاركة