حرب بأهداف مرتبكة ونتائج متباينة
الأحد 8/03/2026• معين الطاهر
لكل حرب أهدافها، تصيب أو تخفق، تُنجَز مرّةً واحدة، أو عبر مراحل عدّة، لكن ضمن استراتيجية واحدة واضحة تصبُّ إجراءاتها في تحقيق مرامي الحرب وحصد نتائجها. من غير وضوح الهدف وتحديده بشكل جلي، ومع تداخل الأهداف الرئيسة والفرعية بلا ناظم يجمعها في إطار واحد، ترتبك الرؤية، وتختفي الخطط بعيدة المدى، ويسود الارتجال في معالجة التطوّرات، ويصعب تقدير المدى الزمني اللازم لها، أو التنبّؤ بمسارها ونتائجها. وينطبق ذلك على أطراف الحرب كلّهم.
بدأت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران بعد ادعاء فشل المفاوضات حول برنامجها النووي الذي كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن تدميره في حرب الاثني عشر يوماً. شُغل العالم بالحديث عن تقدّم المفاوضات ومرونة أطرافها والدور الإيجابي للوسيط العُماني، ثم فجأة، بانت أهداف أخرى لم تُطرح في أروقة المفاوضات، لتشمل منع إيران من امتلاك الصواريخ الباليستية بعيدة المدى بادعاء تهديدها لأوروبا والدول المجاورة، وإمكان وصولها مستقبلاً إلى الولايات المتحدة، وإنهاء علاقة إيران بأذرعها في الإقليم، وصولاً إلى التحكّم في اقتصادها ونفطها، والسيطرة على مصادر الطاقة فيها، واعتبار نظامها خطراً على السلام العالمي، ولا بدّ من العمل على تغييره أو تدجينه. وهي الأهداف ذاتها التي حاول بنيامين نتنياهو فرضها على الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، ومارس عليه حينئذٍ أقصى الضغوط، وصولاً إلى مخاطبة الكونغرس الأميركي مباشرة لإجبار الرئيس على التراجع عن الاتفاق النووي مع إيران. لكن ما فشل مع باراك أوباما نجح مع دونالد ترامب، وبدا واضحاً للعيان أن ثمة مخططاً حيك بليل، وأن مسرحية المفاوضات لم تكن سوى ذريعة لإعداد مسرح المعركة.
نجح التحالف الأميركي – الإسرائيلي في توجيه ضربة أولى قاسية، تمثّلت في اغتيال المرشد ووزير دفاعه ورئيس أركانه، ونحو 40 شخصية قيادية، وتقاسم الطرفان نشوة النصر المبكّر، إذ ادعى ترامب أن التنفيذ إسرائيلي والمعلومات والاختراق أميركيان، وأثار ذلك شهوتهما إلى رفع مستوى التوقّعات، وتغيير الأهداف، لتتجاوز البرنامج النووي والصاروخي إلى تدمير إيران، وصولاً إلى تغيير النظام، وهو ليس أمراً سهلاً في ظلّ مساحة إيران وعدد سكّانها وحدودها المترامية وخمس قوميات موجودة فيها، والأهم الاستقطاب الحادّ في الشارع الإيراني وبنية المؤسّسات الإيرانية التي أُسّست منذ الثورة الإسلامية. هنا، ثمة هدف واضح يداعب مخيّلة ترامب ونتنياهو، وهو تغيير النظام وإسقاطه، فهذه هي الطريقة الأنجع لتحقيق حلم نتنياهو ببناء شرق أوسط جديد، والوسيلة الفضلى لإحكام سيطرة ترامب على المنطقة، واستكمال تطويق الصين، وإخضاع أوروبا، عبر سيطرته على مصادر الطاقة.
لكنّ هذا الهدف النهائي (تغيير النظام) يفتقر إلى الأدوات والخطط اللازمة لتحقيقه، فعلى أرض الواقع، لا نجد سوى الاستمرار في استخدام فائض القوة ضد البنية التحتية الإيرانية، واستمرار التهديد باستخدام قوة أكبر، وإطلاق تصريحات متناقضة عن استخدام قوات برية، يعلم مطلقوها استحالة تنفيذ ذلك إلا ضمن مستويات عملياتية محدودة، أو تدريب مجموعات المعارضة الإيرانية في دول مجاورة لإيران أو على حدودها، ودعمها. وعلينا أن نتذكّر أن تحرير الكويت بمساحتها الصغيرة نسبياً في حرب الخليج احتاج إلى تحالف دولي واسع، وحشد نصف مليون جندي في ميدان المعركة. كما أن الحديث عن تحرّك مناهض في الشارع الإيراني خلال الحرب ذاتها ليس أمراً سهلاً، ويمكن التوجّه إليه في مراحل لاحقة، لكنه سيكون مقدّمةً لحرب طويلة داخل إيران بدعم خارجي، تستنزف قواها وتنهكها، لكنها لا تُنهي النظام القائم فيها. وينطبق هذا أيضاً على المراهنة على تغيير النظام أو انشقاقه من الداخل ومفاوضات مع قيادات من داخله، وهو ما يبشّر به ترامب يوماً ويرفضه في اليوم التالي، فإيران ليست فنزويلا، وما حدث بعد مادورو من الصعب أن يحدث بعد خامنئي. هذه المخطّطات كلّها لا تمتّ إلى الواقع الحالي بصلة، وتعتمد على توقّع حصول تطوّرات دراماتيكية في الحرب قد تدفع إلى السير بأحدها من دون التيقّن من إمكانية نجاحها. ويتضح هذا في التوقّعات بازدياد مدى الحرب من أيام عشرة إلى أربعة أو خمسة أسابيع، إلى حرب مفتوحة، وقد تتوقّف فيها المعركة الحالية بعد فترة، لتستمر في صورة حصار خانق، وإغلاق للمجالين الجوي والبحري، وتشجيع حركات المعارضة ودعمها لاستنزاف النظام في حرب داخلية ضمن محاولة لتفكيك إيران وتقسيمها.
النظام الإيراني يدرك أن هذه المعركة معركة وجود، وهو يبذل جهده لوقف الحرب اليوم قبل غد، نظراً إلى الفارق الكبير في القدرات العسكرية للطرفَين، التي لا تشكّل في الحالة الإيرانية العامل الوحيد لتحديد نتائج الحرب. تتمثّل استراتيجية النظام الإيراني في ثلاثة عوامل: الأول، الصمود وتماسك جبهته الداخلية، ووحدة تيارات النظام الحاكم في مواجهة العدو الخارجي، وعدم السماح بحدوث أي انشقاقات في داخله، وهذا ما سيدفعه للمزيد من التشدّد والتصلّب، خصوصاً بعد اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، وما يمثّله بوصفه رمزاً دينياً في الرواية الكربلائية الحسينية لدى أتباع المذهب الشيعي. والثاني، توفير الأدوات الكفيلة بممارسة ضغوط دولية على الإدارة الأميركية لوقف الحرب، والمتمثّلة في إغلاق مضيق هرمز، ومنع تصدير الغاز والنفط، للتأثير في الاقتصاد العالمي، والإغارات المتكرّرة على دول الخليج العربي، بحجّة ضرب القواعد الأميركية، ومحاولة إلحاق خسائر تطاول الجنود الأميركيين فيها، لصعوبة إلحاق خسائر بهم في أساطيلهم البحرية أو سلاحهم الجوي في القواعد البعيدة، وعرقلة الحياة الطبيعية في دول الخليج، لحملها على الضغط على إدارة ترامب لوقف الحرب، وهو سلاح ذو حدَّين، فهو يربك الموقف الأميركي الذي لم يكن يتوقّع مثل هذا الإجراء، وبدا عاجزاً عن حماية حلفائه في المنطقة، وحمّلهم أعباء حرب هم ليسوا طرفاً فيها، لكنه من جهة أخرى قد يدفع إلى تشكيل محور عربي مناهض لإيران، ومشارك مع الولايات المتحدة وبعض الدول العربية والإسلامية في إعادة بناء منظومة دفاعية لهذه الدول في مواجهة الضربات الإيرانية، الأمر الذي سيؤدّي إلى توسيع نطاق الحرب. ويتمثّل العامل الثالث في الاعتماد من جديد على “أذرع إيران” في المنطقة، وخصوصاً حزب الله، والفصائل العراقية واليمنية، لإرباك المنطقة كلّها. وقد بدا واضحاً في اليومين السابقين أن جزءاً كبيراً من الجهد الإيراني الذي كان موجّهاً ضد الكيان الصهيوني قد أُحيل إلى حزب الله، ما يوفّر لإيران استخدام جهدها القتالي في منطقة الخليج.
أهداف الحرب مرتبكة، وآفاقها تتسع، وتداعياتها لن تكون على إيران وحدها، وثمة أسئلة ينبغي (على الرغم من كثافة غبار المعارك) أن يُفكّر فيها؛ ماذا سيحدث لمنطقتنا لو انهارت إيران، أو تغيّر نظامها، أو أُنهكت وتفكّكت؟ كيف سيكون الشرق الأوسط الجديد، وما الدور الإسرائيلي فيه؟ هل سينجح النظام العربي الرسمي بتشكيل محور مع دول إسلامية يحميه من صلف نتنياهو وسيطرته؟ هل سيبقى لدى النظام العربي أدوات للضغط أو المساومة مع الإدارة الأميركية؟ ما تأثير الحرب في العلاقات الدولية، بين الصين وروسيا وأوروبا مع الولايات المتحدة؟ بل تأثيرها أيضاً في الولايات المتحدة ذاتها التي ستشهد قريباً الانتخابات النصفية. ما المتغيّرات المتوقّعة في لبنان والعراق واليمن؟ وأين غزّة وفلسطين من ذلك كلّه؟
• عن العربي الجديد