معايير الحياة في غزة
الخميس 12/03/2026• منيب أبو سعادة
لم تعد الحياة تُقاس بالوقت في غزة، بل بما ننجو منه. يبدأ اليوم بصوت الطائرات في السماء، يليه دويّ إنفجار يهز الأرض والقلوب معًا. لم يعد هناك صباح هادئ أو ليل آمن؛ الخوف أصبح جزءًا من تفاصيل اليوم، كالماء والهواء. مدن كاملة تغيّرت ملامحها. أحياء كانت مليئة بالحياة أصبحت مساحات من الركام والغبار. بيوت كثيرة دُمّرت بالكامل، كأنها لم تكن يومًا مأهولة بعائلات وأحلام وذكريات. عائلات كاملة قُصفت وهي في بيوتها، وبقي بعضهم تحت الأنقاض لساعات طويلة، وربما لأيام، تنتظر يدًا تنتشلها أو معجزة تنقذها. كل حجر هنا يحمل قصة، وكل ركام يخفي ذاكرة لأناس كانوا يحلمون بحياة بسيطة.
النزوح صار طريقًا مفتوحًا بلا نهاية واضحة. الناس يحملون ما يستطيعون حمله: طفلًا نائمًا، حقيبة صغيرة، أو صورة عائلية نجت من الدمار. يخرجون من بيوتهم دون أن يعرفوا إن كانوا سيعودون إليها يومًا. الطريق مليء بالوجوه المتعبة، والقلوب المثقلة بالخوف والصدمة. النزوح ليس مجرد انتقال من مكان لآخر؛ هو اقتلاع من الأرض والذكريات، شعور دائم بالغربة حتى بين الخيام والجدران المؤقتة.
تفاصيل مؤلمة للحياة. يهبط الليل ثقيلًا كأنه لا يريد أن ينتهي. نجلس في الظلام، نتبادل الأخبار بصوت منخفض، ونحاول أن نطمئن على من بقي. ضوء هاتف ضعيف أو شمعة صغيرة كل ما يبدد العتمة. في هذا الظلام الطويل، يفكر كل شخص في شيء واحد: كيف سننجو من يوم آخر؟ كيف نحمي أطفالنا من الخوف؟ وكيف نتمسك بكرامتنا وسط هذا الانكسار؟

الأخبار ليست مجرد عناوين؛ كل خبر يحمل وجعًا حقيقيًا. اسم شهيد يعني عائلة مفجوعة، وبيت مهدّم يعني حياة كاملة تحطمت. ومع كل يوم يمر تتراكم القصص المؤلمة: أم تبحث بين الركام عن طفلها، أب يقف عاجزًا أمام بيته المدمر، وعائلة تحاول أن تبدأ من جديد فوق أرض فقدت كل شيء. الألم هنا ليس رقمًا في نشرة الأخبار؛ إنه دموع حقيقية، وقلوب مكسورة، وأحلام انتهت قبل أن تكتمل.
أحمل مسؤولية توثيق كل هذا. الصحافة هنا ليست مجرد مهنة، بل شهادة على زمن صعب. كل تقرير أكتبه، وكل صورة ألتقطها، هي محاولة لنقل الحقيقة كما هي: بلا تزييف، وبكل إنسانيتها. تصبح الصحافة في هذه الظروف خطرًا دائمًا؛ زملاء فقدناهم، بعضهم قُتل أثناء توثيق الأحداث، وآخرون غابوا تحت الركام. ورغم ذلك نستمر لأن الصمت هنا يعني ضياع الحقيقة، ولأن العالم بحاجة لرؤية ما يحدث.
التوثيق شاهد على ما يجرى. ربما لا نستطيع تغيير الواقع، لكننا نستطيع أن نوصل صوت الناس: صوت الأطفال الذين يسألون عن بيوتهم، وصوت الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، وصوت العائلات التي فقدت كل شيء. الصحافة هنا صرخة إنسانية، ورسالة بأن وراء الاخبار من يعيش الألم، ويستحق أن يُرى وجعه.

يتذكر الإنسان وسط كل هذا الخراب حكايات الأرض التي لا تموت. التي شهدت الألم مرارًا، وصمود الناس الذين رفضوا الاختفاء من التاريخ. كأن كل حجر في غزة يحمل قصة، وكل بيت مهدّم يهمس بأن الحياة ستعود يومًا، مهما حاول الدمار أن يطفئها. يقاوم الناس هنا بطريقتهم: الصبر، الذاكرة، والإيمان بأن الأرض التي رُويت بدموع أبنائها ودمائهم لا تموت.
صرخة إنسانية كبيرة لا يسمعها العالم كما يجب. هنا شعب كامل يعيش الألم لحظة بلحظة؛ أمهات ينتظرن أبناءهن تحت الركام، وآباء يقفون أمام بيوت دُمّرت وهم يحاولون إخفاء دموعهم، وأطفال يسألون عن معنى الخوف الذي صار جزءًا من حياتهم. غزة اليوم لا تطلب المستحيل، تريد أن يرى العالم إنسانيتها، أن يشعر بوجعها، والارواح التي تحلم بالحياة والامن.
ليست مجرد حرب عابرة، بل جرح إنساني عميق في حياة الناس. ومع ذلك، يبقى في القلب يقين بأن الليل مهما طال لا بد أن ينتهي، وأن هذه الأرض ستنهض من تحت الركام، لأن الأرض التي يسكنها الحب والذاكرة والتضحيات لا تموت.
• منيب أبو سعادة صحفي فلسطيني من غزة وقد صدر له عام 2025 كتاب بعنوان “أرض لا تموت” عن دار نلسن في بيروت.