logo
يوميات غزاوي جدا
الخميس 26/02/2026

• مصطفى أبو شرار

هل خطر ببالك كيف يعيش الإنسان في قطاع غزة خلال الإبادة الجماعية؟ سأروي لكم قصتي أو بالأحرى قصة معاناتي في بقعة شبه نائية من شمال القطاع حيث أعيش أنا وعائلتي فوق أنقاض منزلنا في حي التفاح.
إسمي مصطفى أبو شرار، أب لأسرة مكونة من أربعة أطفال، لا يتجاوز عمر أكبرهم الـ 12 عام، وأصغرهم عامين، لا يعيشون طفولتهم وسط كل هذا الخراب.
بعد جولات من النزوح التي توقفت عن إحصاءها منذ زمن، وما يصاحبها من “مرمطة” بلا نهاية لها، قررت وعائلتي العودة إلى منزلنا المدمر، ووضع حد للتنقل والنزوح عند هذا وذاك، وبهدلة السكن في خيمة جنوب غزة.
قررنا بعد تفكير مضني نصب خيمة بجانب منزلنا المدمر، جمعنا أنا وزوجتي وأولادي ما توفر من حجارة وأخشاب وشوادر كأساس لما سيصبح مسكننا الهش الذي بالكاد يقي من حرارة الشمس أو البرد القارص.
وضعنا بعض الرمل داخل الخيمة لرفعها قليلا عن الأرض معتقدين أن ذلك قد يجنبنا دخول المياه في موسم الشتاء. ولضرورة وجود حمام أو “شبه حمام” فتحنا “دلو” من الأسفل، وجئنا بمزراب لتصريف الماء بالإضافة إلى جردل للإستخدام الخاص، وخصصنا مساحة لشبه مطبخ في الجهة الأخرى.
يقتلني نصب خيمة بجانب منزلي المدمر، فهو المكان الذي الذي لم أسكنه إلا لستة أشهر بعد تجهيزه لتكون عائلتي ووالداي اللذان تجاوزا السبعين عاما مرتاحين لسنوات طويلة.
ها أنا اليوم أمام كم هائل من دمار وحطام منزلي الذي أحاول عبثا النبش داخله عن بقايا أغراض قد تكون صالحة للإستخدام لعدم توفر خيارات أخرى.
أستيقظ من نومي بعد تقلبات على صدى أصوات إنفجارات وإهتزازات وأزيز لا يتوقف لطائرات معروفة بالكواد أو الزنانات كما يسميها الغزيون. أزيز يشتت التفكير ويؤرق النوم.
استيقظ في الخامسة صباحا أنا وزوجتي لإيقاظ أطفالنا. ألبسهم ما أخرجناه من ركام بيتنا المقصوف، يتناولون سريعا وجبة الإفطار بما توفر قبل أن أصحبهم إلى مدرستهم عند السادسة. نمشي في رحلة تمتد لكيلومترات عدة في منطقة شبه نائية وسط نباح الكلاب الضالة الذي لا يتوقف.

أعود بعد رحلة شاقة لأجد زوجتي وقد بدأت في العجين قبل أن تستنجد بي لشراء الحطب. أحضر الحطب وأضعه جانبا قبل أن أتوجه في رحلة شاقة أخرى تستغرق نحو الساعتين لتعبئة المياه الصالحة للإستخدام اليومي، يلي ذلك نداء المياه الحلوة، تهب الناس من كل حدب وصوب، والشاطر الذي يتمكن من الحصول على حصة من الماء الحلو. أعود بعدها لمشاركة زوجتي في الخبيز وتكسير الحطب. وتجهيز الطعام قبل مغادرتي لإصطحاب الأولاد من المدرسة.
نفترش الأرض فور عودتي والأولاد لتناول الطعام ، نحمد الله على نعمته، وبالرغم من كل شيء يبقى وضعنا أفضل من أوضاع غيرنا.

أتعاون وأولادي لترميم الخيمة تحضيرا لعاصفة قادمة مصحوبة بمطر غزير. تشاركنا زوجتي البحث عن حبال متينة تستطيع منع تطاير الخيمة أو تسرب المياه إلى داخلها عند هبوب العاصفة، ثم نقوم بسد أي فتحة منعا لدخول القوارض.

اقوم بعد يوم شاق لا يريد أن ينتهي بتسخين الماء ليغتسل الأولاد من أثار الردم والركام، قبل أن تبدأ زوجتي بمراجعة دروسهم. يحل الظلام علينا مصحوبا بجميع الأصوات المزعجة من قصف هنا وإشتباكات هناك والزنانات التي لا تفارق سماءنا ليلا ونهارا.
نجهز مكانا داخل الخيمة لنوم الأولاد. ينام أطفالي وسط زخات من الرصاص وأبقى أنا مستيقظا خوفا عليهم من جهة ومنشغلا في نقلهم من زاوية إلى أخرى تحسبا من إصابتهم بمكروه وهم نيام.
لم يعد أطفالي يستيقظون على أصوات زخات الرصاص التي ألفوها، ولكن ما أن يبدأ المطر بالهطول يستيقظون على صوت الرعد والبرق، معتقدين أنه قصف قد يطالنا ويجبرنا على النزوح ثانية.
يؤلمني عجزي عن حمايتهم، أحضنهم لتهدئتهم وأطمنئهم بقصة تبعدهم عن واقعهم القاسي الذي يعيشون. نبقى على هذا الحال حتى شروق الشمس لنبدأ من جديد دوامة يوم آخر من أيامنا في هذه البقعة المنكوبة، مع أمل ولو ضئيل بأن نعود إلى حياة شبه آدمية ننعم فيها ببعض الراحة والأمان.

*العنوان مستوحى من عامود ساخر للشهيد ماجد أبو شرار في صحيفة “فتح” كـ (واحد غزاوي جدا)، (صحفي أمين جد).

مشاركة