logo
إسرائيل تحاول تسوية قضية اللاجئين الفلسطينيين على حساب العرب وبأموالهم
الثلاثاء 8/01/2019

 

 

  • موناليزا فريحة

لم تعد اسرائيل تكتف بالمساعي لنسف حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وإنما أحيت معادلة قديمة تقوم على مبدأ “لاجئين مقابل لاجئين وتعويضات مقابل تعويضات” محاولة انتزاع تعويضات من دول عربية وإيران عن الممتلكات التي هجرها يهود غادروا المنطقة بعد حرب 1948.

بثت القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي تقريراً رسمياً مفاده أن الحكومة الاسرائيلية تنوي مطالبة دول عربية بتعويضات مالية بقيمة 250 مليار دولار عن ممتلكات ليهود تدّعي أنهم كانوا يقيمون فيها قبل هجرتهم إلى اسرائيل، بينها 50 ملياراً في تونس وليبيا.

وجاء في التقرير الرسمي الذي يجرد الممتلكات اليهودية المفقودة في الدول العربية، أنه بعد بحث استمر 18 شهراً، تنجز الدعاوى الأولى لتعويضات قيمتها 35 مليار دولار من تونس و15 مليار دولار من ليبيا، وذلك لأملاك تركها اليهود بعد انشاء دولة اسرائيل عام 1948. ويتوقع أن تصل المطالبات بتعويضات عن الأصول المتبقية في كلّ من المغرب والعراق وسوريا ومصر وإيران واليمن إلى 200 مليار دولار.

واستأجرت إسرائيل شركة محاسبة دولية لم تعرف هويتها، لتقدير التعويضات المفترض المطالبة بها بموجب “صفقة القرن” المُتوقَّعة. وتشرف على مشروع حصر”ممتلكات اليهود العرب” وزيرة المساواة الاجتماعية الإسرائيلية غيلا غملائيل، التي قالت السبت: “حان الوقت لتصحيح الظلم التاريخي الذي وقع على اليهود الذين فقدوا ممتلكاتهم في الدول العربية. لا يمكنك التحدث عن الشرق الأوسط من دون النظر إلى حقوق اليهود الذين أجبروا على ترك مجتمعاتهم المزدهرة تحت العنف”.

وكانت الكنيست الإسرائيليّة أقرت في 2010 قانوناً يلزم الحكومة تضمين ملف “تعويض أملاك اليهود” في كل مفاوضات سلام تجريها مع الدول العربية. وعام 2012، أوعزت اللجنة البرلمانية لشؤون الرقابة في الكنيست الإسرائيلية الى فريق من المتطوعين بالسفر إلى دول عربية لتوثيق عقارات اليهود هناك وجردها، تحضيراً لدعاوى التعويضات التي ستحرك بموجب ذلك القانون. وقد اكتسبت هذه المبادرة زخماً منذ 18 شهراً مع بدء الحديث عن “صفقة القرن”.

856 ألف يهودي

وتقدر منظمة “العدالة لليهود من الدول العربية”، وهي منظمة دولية مؤلفة من منظمات يهودية، أن “نحو 856 ألف يهودي من 10 دول عربية فروا أو طردوا عام 1948 وبعدها”.

وترجح مراجع تاريخية أن اليهود الذين هاجروا من الدول العربية إلى اسرائيل بين عامي 1948 و1950، شكّلوا في حينه 42 في المئة من مجموع سكانها، وأن موجات الهجرة تلك مثّلت لاسرائيل المادة البشرية الخام اللازمة لإحلالها محل الفلسطينيين الذين هجروا من قراهم ومدنهم، بعدما نضبت ينابيع الهجرة الأوروبية.

كذلك مثّلت الهجرة من الدول العربية في تلك الفترة ما نسبته 47 في المئة من مجموع الهجرة اليهوديّة، وساهمت في مضاعفة عدد السكان اليهود لاسرائيل، بعدما زوّدتها ما يصل الى نصف مليون مهاجر جديد.

في أي حال، ليس الكلام على التعويضات لليهود جديداً، فقد أثاره الإسرائيليون طوال عقود. لكن الكاتب السياسي الفلسطيني حسن خضر لاحظ أن سياق الكلام ومبرراته اختلفت هذه المرة. ففي الماضي جاء الكلام على التعويضات في معرض محاولة إفراغ قضية اللاجئين الفلسطينيين من مضمونها السياسي والأخلاقي، في إشارة إلى الرواية الإسرائيلية التي تقول إن ظروف الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى 1948، أدت إلى “خروج” مئات الآلاف من الفلسطينيين، وحوّلتهم لاجئين، ومقابل هؤلاء تحوّل مئات الآلاف من اليهود الذين “طردتهم” البلدان العربية لاجئين في إسرائيل.

إلّا أن السياق الذي تُطرح فيه مسألة التعويضات حالياً وثيق الصلة بما يدور من كلام على “صفقة القرن”، التي يتكاثر في شأنها اللغط. وقد أقر تقرير القناة الاسرائيلية بأن التعويضات تدخل في سياق الاستعداد للتعامل مع هذه الصفقة التي لا تزال تفاصيلها غامضة.

وفي ترجمة سياسية لهذا الكلام، يرى حسن أن الورقة التي يضعها الإسرائيليون على الطاولة، الآن، تتمثل في السعي الى تسوية قضية اللاجئين الفلسطينيين على حساب العرب وبأموالهم.

 

الى ذلك، يرى الكاتب الفلسطيني في المطالبة بتعويضات عملية مزدوجة لتشويه الحقيقة وتجاهل الواقع. وهو يلفت الى أن غالبية هؤلاء اليهود لم يغادروا بلدانهم بمحض إرادتهم، بعد تصفية أعمالهم وبيع ممتلكاتهم فحسب، بل انهم فعلوا ذلك بتحريض وتشجيع من منظمات صهيونية سريّة نشطت في تلك البلدان أيضاً.

وفعلاً، توثق المصادر التاريخية أن الحركة الصهيونيّة نفذت مئات العمليّات لنقل اليهود العرب إلى اسرائيل، مثل عملية “البساط السحري”، التي نقل خلالها 50 ألف يهودي في 425 رحلة جوية من اليمن، و”بساط الريح”، التي نقل فيها 50 ألفًا آخرون، بينما نقل قرابة 113 ألف يهودي عراقي بطائرات أميركية في عملية أطلق عليها “علي بابا”.

إلى ذلك، كانت أعداد كبيرة من أغنياء اليهود وخصوصاً في مصر وشمال أفريقيا تحمل جنسيات أجنبية فرنسية، وإيطالية في الغالب.

أما الشق الثاني لتشويه الحقيقة فيتمثل، في رأي خضر، في أن ودائع المصارف والأراضي والبيوت والمعامل والمؤسسات التجارية والصناعية العائدة الى الفلسطينيين، والتي استولى عليها الإسرائيليون، ومئات القرى التي دمّروها، تتجاوز من حيث القيمة مئات المليارات.

الواضح أن إسرائيل تسعى من هذا التحرك إلى ايجاد توازن بين اللاجئين الفلسطينيين الذين شردوا في النكبة وكفلت المواثيق والقوانين الدولية حقهم في العودة إلى وطنهم وعقاراتهم، واليهود الذين استقدمتهم الحركة الصهيونية من الدول العربية. وليس تحريك قضية “اللاجئين اليهود” في هذه المرحلة الا محاولة إضافية من اسرائيل لاستباق أي بحث في قضية اللاجئين الفلسطينيين في سياق “صفقة القرن”.

مشاركة