العنصرية لا تنتج سوى مؤسسات دولة على شاكلتها
الخميس 7/03/2019فايز رشيد
يتشدقون في الغرب بأن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. وتتباهى هي بإحترامها للقوانين الدولية وشرائع حقوق الإنسان، وتتغنى بطهارة سلاحها! ولكن رغم مرور سبعين عاما على إنشائها، نتساءل هل أن إسرائيل دولة ديمقراطية؟ أم عنصرية؟ هل تتماهى الديمقراطية مع الإحتلال والقتل والإستيطان والعدوان الدائم على الفلسطينيين والعرب؟ بعيدا عن الرأي المسبق والعاطفة، ووفقا للتحليل العلمي، تعالوا لنحكم.
حسب التاريخ، فإن إسرائيل هي من الدول القليلة على صعيد العالم، التي وقفت مع الأنظمة العنصرية في جنوب إفريقيا، وروديسيا، وأيّدت إنقلاب الديكتاتور بينوشيه ضد رئيس تشيلي الشرعي سلفادور الليندي، ثم إن الأمم المتحدة إتخذت في عام 1975 قرارا بإعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري (ومعروفة ظروف إلغاء القرار) كما أن 26 منظمة وهيئة دولية إتخذت القرار نفسه قبل الأمم المتحدة، فهل كلّ هذه الهيئات خاطئة، وإسرائيل على صواب؟
قانونيا، إسرائيل تفتقد إلى دستور مكتوب مثل باقي الدول، لأسباب أهمها، أنها لا تريد ترسيم حدود دولتها، فالحدود التي تريدها مرسومة كهدف، وعلى المدى البعيد ووفقا للكثيرين هي حدود «دولة إسرائيل الكبرى» بإحتلالها مزيدا من الأرض العربية. وللعلم فإن الكثير من الأحزاب الصهيونية كما المؤسسة الدينية بزعامة الحاخامات وأبرزهم كاشتئيل، مازالت تسعى لتحقيق هذا الهدف. إسرائيل إستعاضت عن الدستور بقوانين أساس سنتها في السنوات الأولى من إنشاء الدولة. ووفقا لـ»عدالة»- المركز الإسرائيلي لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، يوجد 36 قانونا تمييزيا في إسرائيل، 20 قانونا تميز بشكل واضح وصريح بين اليهود والعرب، و16 منها تميز بشكل خفي. سُئل رابين مرة من الصحافي الهندي كارانجيا عن حدود الدولة الإسرائيلية؟ فأجاب بإختصار: حدود دولتنا حيث تصل أقدام جنودنا.
لقد أصدرت إسرائيل منذ إنشائها وحتى نهاية 2018 (262) قانونا ومرسوما تمييزيا خاصا، تركزت على أبعاد إستراتيجية عامة، مثل الإستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وضم القدس والجولان بهدف إجلاء الفلسطينيين وتوطين اليهود، مثل قانون العودة الذي صدر عام 1950، والذي أعطى الحق لكل يهودي بالمجيء إلى فلسطين كمهاجر، وقانون
إستملاك الأراضي الذي صدر عام 1952، وهو يخول سلطة الإحتلال الإستيلاء على الأراضي الفلسطينية العربية. وصولًا إلى الفترة الحالية التي تتركز فيها القوانين على الحياة اليومية للفلسطينيين، التي يهدف الكيان الإسرائيلي من خلالها لتمتين الهوية القومية اليهودية، وضرب صمود وثبات شعبنا ونضاله الوطني، إضافة إلى مزيد من السيطرة على الأرض وفرض السيادة. ومن القوانين العنصرية، إضافة إلى قانون القومية، هناك قوانين: تبييض المستوطنات ـ ضمها لإسرائيل، منع الأذان، منع إستعمال اللغة العربية في المواصلات، قانون الإقصاء (المقصود إقصاء النواب العرب في الكنيست) قانون «كمينيتس» الذي يهدف إلى تسريع هدم البيوت، التي تعتبرها إسرائيل غير قانونية في المجتمع العربي داخل إسرائيل وتعد بعشرات الآلاف، منع دعاة المقاطعة من دخول إسرائيل، قانون الإطعام القصري للسجناء المضربين عن الطعام. قانون رفع العقوبات على ملقي الحجارة. قانون التفتيش الجسدي.. قانون توسيع العقوبات على عرب 48 ممن ينادون بعدم تأدية الخدمة الإجبارية. قانون تشديد العقوبات على إهانة علم الدولة أو شعارها. قانون عدم توثيق التحقيقات الأمنية (يجيز ضرب المعتقلين وتعذيبهم بدون رقيب وبدون توثيق). قانون الإقصاء (المقصود إقصاء النواب العرب من الكنيست). قانون الجمعيات الحقوقية (منع إنشاء بل إغلاق الجمعيات التي تلاحق السياسات الإسرائيلية)، وعلى ذلك قس.
بالنسبة للقضاء الإسرائيلي، فهو قضاء تابع للدولة، فقد إعتبر القضاة الإسرائيليون أن موت المناضلة الأمريكية راشيل كوري كان نتيجة لحادث سببته لنفسها، رغم أن جرافة إسرائيلية هي التي دهستها عن سبق إصرار وترصد، لأنها أرادت منع هدم بيت فلسطيني. بما معناه، أن القضاء يوحي فيما ادعاه: بأن الناشطة الأمريكية هي التي قتلت نفسها، ولسان حاله يضيف «بأنها أرادت إحراج إسرائيل أمام المجتمع الدولي»! ولولا أنها توفيت، لتقدم إليها بلائحة إتهام» بإعاقة عمل الجيش الإسرائيلي في مكافحة الإرهاب»، و«بأنها تساند الإرهابيين الفلسطينيين»، وبالتالي: كان قد حكم عليها ببضعة مؤبدات، كالأحكام التي يصدرها من يسمون «بالقضاة» العسكريين للمحاكم الإسرائيلية. الحكم الصادر في قضية كوري ليس الأول من نوعه، فالقضاة الإسرائيليون سبق لهم أن برأوا الجيش الإسرائيلي من جريمة قتل تسعة من الأتراك، وإصابة العشرات بجروح في الإعتداء على السفينة مرمرة، التي كانت تحمل مواد غذائية وأدوية وألعاب أطفال للمحاصَرين في قطاع غزة، تبرع بها ناشطون، وأراد بعضهم مرافقة السفينة لتسليم المساعدات إلى شعبنا في غزة، الحكم يذّكر بغرامة القرش التي حكم بها القاضي على الضابط الصهيوني إسحق شيدمي، الذي وجه الأمر لجنوده بإرتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956، التي ذهب ضحيتها نحو خمسين فلسطينيا، بينهم نساء وشيوخ وأطفال وأصيب العشرات من سكان القرية بعاهات دائمة نتيجة الجروح (وقد إعتقد الجنود أنهم
توفوا، وإلا لأجهزوا عليهم). الحكم يذّكر بقتل إسرائيل للجنود المصريين الأسرى أحياء في سيناء عام 1967، وبقتل الأسير الفلسطيني صبحي أبو جامع بعد القبض عليه، والتمثيل بجثة الشهيدة الفلسطينية دلال المغربي، فقد أمسك إيهود باراك (وزير الحرب الأسبق) بالشهيدة من شعرها (بعد إستشهادها) وخبط وجهها على الأرض عدة مرّات. ويذكّر بمجزرة قانا والمجازر الفلسطينية ومذبحة بحر البقر، وقد قال بيريز عن ضحايا قانا «إنها الحرب» ولم يجر توجيه تهمة لأي من الضباط والجنود الإسرائيليين عن إرتكاب هذه المجازر، كذلك بالنسبة للجنود الذين قاموا بتكسير أيادي وعظام الفلسطينيين بالأحجار.
وفي الوقت الحالي، فإن غالبية القوائم الإنتخابية الإسرائيلية ترفض قيام الدولة الفلسطینیة والإنسحاب من الجولان، فقد أعلن قادة قائمة «أزرق أبیض»، التي یتزعمھا جنرالات حرب كبار، وتنافس حزب «اللیكود» وزعیمه بنیامین نتنیاھو على رئاسة الحكومة المقبلة، أن حكومة بقیادتھم لن تنسحب من مرتفعات الجولان العربي السوري المحتل. وبرنامجھا السیاسي لا یتضمن قیام دولة فلسطینیة، بل التمسك بكامل المستوطنات، وحصار الضفة من الجھات الأربع. وتضم قائمة «أزرق أبیض» حزب «مناعة لإسرائیل» الذي أقامه رئیس أركان جیش الاحتلال الأسبق بیني غانتس، وحزب «یوجد مستقبل» بزعامة النائب یائیر لبید. وتضم القائمة في مقدمتھا رئیسي أركان جیش الإحتلال الأسبقین، موشیه یعلون وغابي أشكنازي.. وقد زار الأربعة منذ أيام مرتفعات الجولان العربي السوري المحتل، لیعلنوا من ھناك رفضھم الإنسحاب منها. وقالت صحیفة «یدیعوت أحرونوت»: إن حل الدولتین لیس مذكورا في برنامج القائمة، وعملیا فكرة الدولة الفلسطینیة لا تظھر ھناك ابدا. ونقلت الصحیفة عن مصادر في القائمة قولھا، إن موضوع حل الدولتین أثار جدلا بین الجناحین الیمیني والیساري وتقرر في النھایة أنه وإن كان یبذل جھد للسعي إلى إستنفاد المسیرة السیاسیة مع الفلسطینیین، إلا أن فكرة «دولة فلسطینیة» لن تكون في البرنامج.
بالنسبة للإعلام الإسرائيلي، فهو إعلام تابع للدولة، مهما بدا الهامش الذي تتحرك فيه وسائل الإعلام الإسرائيلي واسعا وديمقراطيا، لقد كتبت عميرة هاس في «ھآرتس» 3/3/2019 «إن الصحف الإسرائیلیة متعاونة مع سلطات الإحتلال ضد الفلسطینیین، والإعلام یتبنى كالعادة شعارات الدولة مثل شعار «إقتلوا العرب». في نشاط مشترك للجیش الإسرائیلي و«یمام» و«الشاباك» تتم إعتقالات الفلسطينيين بصورة مهينة جدا. وإتهمت هاس هذه الصحف وأجهزة الإعلام الأخرى بأنها أبواق للحكومة الإسرائيلية ودعاياتها الكاذبة ضد الفلسطينيين! فماذا بقي من ديمقراطية إسرائيل؟ ألا تتفقون معي بأنها دولة عنصرية؟ وأن كافة مؤسساتها كدولة مشبعة بالقوانين والروح العنصرية؟
* عن القدس العربي