logo
المشروع الوطني الفلسطيني بين البرامج السياسية والأدوات النضالية
الإثنين 5/10/2026

امتدت تجربة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بمختلف مكوناتها، عشرات السنوات، وهي تجربة ثرية شكّلت تاريخاً مجيداً للشعب الفلسطيني، وجسّدت إرادته في المقاومة والبقاء والصمود، وصاغت حركته الوطنية وكينونته السياسية، ودافعت عن استقلال قراره. إلا أن هذه التجربة كلها، بمشروعها الوطني وبرامجها وأدواتها ومرجعياتها الفكرية، باتت بحاجة إلى مراجعة نقدية تحدد مواضع القوة التي اكتسبتها، ومواضع الضعف والخلل التي انتابتها.

وتزداد أهمية النظر في تحولاتها ونحن نمرّ بمرحلة جديدة صعبة في نضال الشعب الفلسطيني، نحتاج فيها أن نستعيد مشروعنا الوطني، وأن نحدد بوضوح برامجنا السياسية، وأدوات النضال وأساليبه التي ينبغي توظيفها لتحقيق هدفنا في تحرير وطننا؛ بعد أن حلّت البرامج السياسية والأساليب النضالية محل المشروع الوطني، وبعد أن ترهّلت الحركة الوطنية وفصائلها، فصارت جزءًا من المشكلة البنيوية، وأضحت هي ذاتها بحاجة إلى مراجعة وتجديد وإعادة بناء. ويسعى الكاتب، في هذا المقال، إلى إثارة حوار جادّ وموضوعي بين النخب والمناضلين والمثقفين والشباب حول هذه القضايا، لعلّنا نفلح معًا في استنهاض الحركة الوطنية الفلسطينية من واقعها الراهن.

المشروع والبرنامج والأدوات

يُفترض في المشروع الوطني أن يتسم بالثبات، لأنه يتصل بالسردية التاريخية للشعب الفلسطيني، وحقه في وطنه كله، وأن يشكّل النقيض الكامل للرواية الصهيونية. والمشروع الوطني هو الذي يوحّد الشعب الفلسطيني في جميع مناطق وجوده (الأراضي المحتلة عام 1948، والضفة الغربية، وغزّة، والشتات)، في إطار وحدة الأرض والشعب والقضية، ويعبّر عن تطلعاته وآماله في تفكيك الكيان الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين، وعن حقه في العودة والحرية والعدالة. وهو يفقد صفته مشروعًا وطنيًا للشعب الفلسطيني كله إذا كان تعبيرًا عن تطلعات جزء منه فحسب.

والبرنامج مكوّنٌ رئيسٌ في أي منظومة سياسية تستحق أن تُسمى مشروعاً وطنيّاً؛ ففيه تُرسى المبادئ العامة، وتُصاغ الأهداف، على نحوٍ يتيح وضع الاستراتيجية التي يمكن أن تُتّبع، لتحقيقها بناءً على معطيات الواقع والإمكانات الكامنة فيه. لكن التعريف يبقى منقوصاً، كما يشير عزمي بشارة بعمق في محاضرته “المشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي/ العربي الراهن” (الدورة الرابعة للمنتدى السنوي لفلسطين، 24 كانون الثاني/ يناير 2026)، إذا اقتصر على ا وإذا كان المشروع الوطني ثابتاً، فإن البرامج السياسية قابلة للتطور والتعديل والتغيير، بل قد تتعدّد، بحيث يكون ثمة برنامج رئيس يشمل الشعب الفلسطيني كله، ويكون بمنزلة الإطار الاستراتيجي، وبرامج فرعية تصبّ فيه؛ فبرنامج فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 في مواجهة الفصل العنصري وقانون القومية اليهودية، وبرنامج اللاجئين في التمسك بحق العودة ومقاومة التوطين، وبرنامج الصمود والمقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة في التصدي للاحتلال والضم والتهجير والإبادة الجماعية، كلها برامج ينبغي أن تتكامل في برنامج رئيس واحد، لا أن تتنافس معه أو تحلّ محله.

تبدّل البرامج من النكبة إلى 1967

منذ النكبة، تبدّلت البرامج وتعددت؛ ففي الخمسينيات انصبّ الجهد الفلسطيني على مقاومة مشاريع التوطين والتمسك بحق العودة، وتعلّقت الآمال بالوحدة العربية طريقًا إلى تحرير فلسطين؛ فالتحرير، في أدبيات تلك المرحلة، نتاجٌ للوحدة، ولقدرة الجيوش العربية، وتُرك للفلسطينيين دور التعبئة والمساندة. وجاء تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، بقرار من مؤتمر القمة العربية الأول، تعبيرًا عن هذا التصور: كيان يمثّل الفلسطينيين، ويعبّر عن قضيتهم في المحافل الدولية، بينما ظلّ قرار الحرب والسلم في يد النظام العربي.

قلبت حركة فتح المعادلة حين أطلقت العمل الفدائي مطلع عام 1965، تحت شعار “التحرير طريق الوحدة”. ويلاحَظ أن الحركة لم تطرح، قبل حرب 1967، أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد للتحرير، بل تمثلت نظريتها في أن العمليات الفدائية تُبقي القضية حية، وتستنزف العدو، وتدفع الجيوش العربية، عبر التصعيد وردود الفعل الإسرائيلية، إلى القيام بواجبها في معركة التحرير. ولذلك، نظرت القيادة العربية الموحدة، ومعظم النظام العربي، إلى محاولات فتح بوصفها إعاقة للاستراتيجية العربية لتحرير فلسطين، وتوريطًا لها في معركة قبل أوانها. ولم يكن الكفاح المسلح، بمعناه الذي ساد لاحقًا، برنامجًا للحركة الوطنية الفلسطينية قبل حزيران.

لكن الهزيمة العسكرية التي مُنيت بها الدول العربية في حرب 1967، والتي نجم عنها احتلال ما تبقى من أرض فلسطين، إضافة إلى أراضٍ عربية أخرى، فرضت حوامل سياسية جديدة للمشروع الوطني الفلسطيني سيطرت على منظمة التحرير، هي فصائل الكفاح المسلح. لم يتغير المشروع الوطني القائم على فكرة تحرير فلسطين، ولم يتغير البرنامج السياسي للمنظمة فعليًا، لكن الكفاح المسلح أصبح الطريق الوحيد لتحقيق البرنامج، وضُمِّن هذا التأكيد في الميثاق الوطني المعدَّل عام 1968، ليشكّل مصدر شرعية سيطرة الفصائل المسلحة على المنظمة، ووسيلتها لترسيخ استقلالية القرار الفلسطيني. وصار وجود جناح مسلح لأي اتجاه شرطاً ضرورياً لعضوية الهيئات القيادية في منظمة التحرير.

لبرنامج ولم يشمل البنى التنظيمية، وحوامل البرنامج المؤهلة لادعاء أنها تمثل المشروع الوطني.

البرنامج المرحلي وبداية التحوّل

وعندما تبنّت منظمة التحرير، بعد حرب أكتوبر (1973)، البرنامج المرحلي، في سعيها إلى الانخراط في مشاريع التسوية السياسية التي تبعت الحرب، عبر ما عُرف ببرنامج النقاط العشر الذي تضمّن في نقطته الثانية النضال لإقامة “سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كل جزء من الأرض الفلسطينية يتم تحريره”، وفي نقطته الثامنة أن “السلطة الوطنية الفلسطينية، بعد قيامها، تناضل من أجل وحدة أقطار المواجهة في سبيل استكمال تحرير كامل التراب الفلسطيني”، فإنه حافظ – نظريًا – على السمات الأساسية للمشروع الوطني الفلسطيني، من حيث استمرار تمسكه بفلسطين كلها، وإن كان واضحًا أن هدف البرنامج تهيئة الرأي العام للقبول التدريجي بفكرة الحل المرحلي.

بداية التحول عن المشروع الوطني جاءت مع الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988، حين تبنّت اللجنة السياسية الاعتراف بقراري مجلس الأمن 242 و338، وتحدثت للمرة الأولى عن دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، وقررت الموافقة على المشاركة في مؤتمر دولي للسلام قائم على أساس هذين القرارين. واللافت أن القيادة الفلسطينية استخدمت “إعلان الاستقلال” الذي صدر في الدورة ذاتها، وحاز إجماعاً فصائليّاً وموافقة شعبية كبيرة، لتمرير هذه القرارات والتغطية عليها. لقد غيّرت هذه المقررات جوهر المشروع الوطني الذي تحوّل إلى برنامج حل الدولتين، معترفاً ضمناً بوجود دولة أخرى. ولم يكن ما حدث تغيّراً في التكتيك بقدر ما كان تغيّرًا في المشروع الوطني ذاته.

هاجس التمثيل بديلاً من الحقوق

كان ردّ العدو الصهيوني والولايات المتحدة على رغبة المنظمة في الانضمام إلى العملية السياسية محاولاتٍ مستمرة لتدجينها وانتزاع تنازلات إضافية منها. وكلما تقدّمت المنظمة خطوة في هذا الاتجاه، كانت ثمة متطلبات جديدة تنتظرها في ظل سياسة العصا والجزرة، وكان الهدف واضحاً: تصفية منظمة التحرير لإتاحة المجال أمام ظهور بديل منها، أو إضعافها إلى درجة تجبرها على قبول التنازلات المفروضة عليها.

في هذا الإطار، تحوّلت القضية الفلسطينية من قضية حقوق مشروعة للشعب الفلسطيني إلى مسألة مَن يمثّل الفلسطينيين في المفاوضات المرتقبة، إذ كان موضوع التمثيل هو المطروح دومًا في الأروقة الفلسطينية والعربية والدولية، وجميع التنازلات التي انتُزعت من القيادة الفلسطينية وقعت تحت إغراء الاعتراف بتمثيلها للشعب الفلسطيني، ولم تتطرّق بجدية إلى حقوقه الثابتة، فضلًا عن أن موضوع التمثيل أثار نزاعات مريرة مع الأردن وسورية، وحوّل الأرض الفلسطينية المحتلة إلى “أرض متنازَع عليها”.

خلال تلك المرحلة، سيطر هاجس البديل المحتمل لتمثيل الفلسطينيين على قيادة منظمة التحرير، سواء كان هذا البديل نظامًا عربيًا أم شخصيات فلسطينية. وكان الخيار الأنسب لتجاوز معضلة البديل أن تقنع المنظمة الولايات المتحدة والجهات العربية والدولية بأنها قادرة على إعاقة أي حل يستثنيها، وأنها وحدها القادرة على تنفيذ التنازلات المطلوبة. وقد انعكست هذه السياسة على أداء المنظمة وأولوياتها؛ فلبنان الذي يُفترض أن يكون قاعدة ارتكاز للثورة الفلسطينية تحوّل إلى ورقة مساومة وضغط، وأثّر ذلك في طبيعة البنية العسكرية للمقاومة الفلسطينية وتشكيلاتها.

مسارٌ متعرّج ينتهي بـ”أوسلو”

من هنا، ينبغي النظر إلى المسار الممتد عقدين، من برنامج النقاط العشر حتى توقيع اتفاق أوسلو، بوصفه مساراً متعرّجاً، فقد شهد تنازلات جمّة متدرّجة، وتغيّراً في الاستراتيجية، واختلافًا في التكتيكات. ويمكن تفسير ذلك بأن موافقة القيادة الفلسطينية على الدخول في معترك التسوية لم تكن كافية في حد ذاتها لقبولها فيها، لذا شهدت هذه المرحلة صدامات واسعة مع العدو، في مواجهة محاولات تصفيتها والقضاء عليها، وهو ما قادها إلى تعزيز قواها والاستمرار في المواجهة المسلّحة لفرض بقائها في المعادلة السائدة. وهكذا أصبح الكفاح المسلح أيضاً، في جانب منه، وسيلة ضغط للدخول إلى التسوية، لا أداةً لتحقيق البرنامج الذي وُلد من أجله.

ومن هنا أيضاً، يخطئ من يعتقد أن الثورة الفلسطينية قد تخلّت عن أهدافها، بمجرد موافقتها على البرنامج المرحلي، كما يخطئ من يعتقد أنها استمرت على الأهداف نفسها منذ انطلاقتها؛ فكلتا الرؤيتين قاصرتين عن رؤية وجهَي الصراع والمساومة المتلازمين، والعلاقة الجدلية القائمة بينهما، ذلك أن كلاً منهما كان يخدم الآخر أو يدفع إليه، وفي كل لحظة، كان ثمة وجه رئيس لهذه المعادلة، قابل للتغيّر من دون أن يغيب الوجه الآخر. ويمكن إيراد عشرات الأمثلة على وجود الوجهين معًا في الحرب الأهلية اللبنانية، والاجتياحات الصهيونية، والانتفاضة الفلسطينية، إذ تلازم النضال والتضحيات الكبرى مع السعي إلى تحقيق تقدّم في اتجاه الاعتراف بمنظمة التحرير طرفًا في التسوية المرتقبة، أو تقديم إغراءات لها على هذا الطريق، أو محاولات القضاء عليها وتجهيز بدائل منها.

بإيجاز، يمكن القول إن المشروع الوطني الفلسطيني شهد، منذ 1974 وحتى نهاية الثمانينيات، ازدواجية كبرى؛ فهو من جهة بدا كأنه ما زال متمسّكًا بالميثاق الوطني إطارًا له، وإن كانت القيادة الفلسطينية تضعه كل يوم أمام تنازل جديد، وظلّت سمة المواجهة عبر السلاح والانتفاضة حاضرة، في حين كان الوجه الآخر ماثلًا عبر سياسات المساومة، والسعي إلى جني مكاسب سريعة متوهّمة، تدور في معظمها حول مَن يمثّل الفلسطينيين، لا حول حقوقهم.

كانت نقطة التحوّل الحاسمة في اتفاق أوسلو الذي شكّل قطعاً كاملاً مع ما سبق؛ إذ اعترفت المنظمة، في رسالة ياسر عرفات إلى إسحاق رابين، “بحق دولة إسرائيل في أن توجد بسلام وأمان”، وأعلنت “تدشين حقبة جديدة للتعايش السلمي الخالي من العنف، وجميع الأعمال الأخرى التي تهدد السلام والاستقرار”، ومسؤوليتها عن ضمان امتثال جميع عناصرها للاتفاق، و”منع المخالفات ومعاقبة المخالفين”، مقابل اعتراف إسرائيل بالصفة التمثيلية لمنظمة التحرير. وقد أسدلت هذه النتيجة البائسة الستار على المرحلة السابقة.

ويقدّم هذا التحليل تفسيراً لمواقف القيادة الفلسطينية وسياساتها، كما يقدّم تفسيراً لموقف القيادات المعارضة والمناضلين في “فتح” وغيرها الذين عارضوا هذا النهج، في وقت استمروا فيه في مواقعهم النضالية خلال هذا المسار المتعرّج، وإلا صار تفسير استمرارهم في أطر الحركة الوطنية ضرباً من الغباء أو الجهل أو التواطؤ مع القيادة المتنفذة.

الكفاح المسلح من التحرير إلى الدفاع عن الذات

تأثرت الحركة الوطنية الفلسطينية، بعد هزيمة 1967، بحركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا، وخصوصاً في فيتنام والجزائر، وفي أميركا اللاتينية. وساعدت على نمو هذا الاتجاه ظروف عدة، أهمها: استمرار الصراع العربي – الإسرائيلي، ووجود دول عربية رافضة للسلام مع إسرائيل، ومستعدة لاحتضان المقاومة الفلسطينية وتمويلها وتسليحها، وضعف التأثير العربي الرسمي في منظمة التحرير بعد الهزيمة. وكان الكفاح المسلح، في الوقت ذاته، مجال صراع على القيادة في الحركة الوطنية الفلسطينية. ولذلك، كما يلاحظ عزمي بشارة في المحاضرة المشار إليها، “لم يُقيَّم الكفاح المسلح، في معظم الأحيان، على أساس ارتباطه بتحقيق البرنامج السياسي، بل على أساس الحفاظ على الهوية الفلسطينية، ورفض واقع الاحتلال ومقاومته”.

بعد حرب 1973، تحوّل هدف الكفاح المسلح، عمليًا، من التحرير إلى المحافظة على الذات والدفاع عن الثورة، واستخدام الوجود على الساحة اللبنانية لتعزيز الأوراق التفاوضية. وبعد حرب 1982، وخروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، أُغلقت الجبهات العربية كلها في وجه الكفاح المسلح الفلسطيني، فانتهت مرحلة تميّزت بانطلاق المقاومة المسلحة، بشكل أساسي، من خارج الوطن المحتل، وابتعدت قواعد الارتكاز عن حدود فلسطين. وفي هذه المرحلة تحوّل العمل المسلح من وسيلة إلى مبدأ ومبرّر وجود.

من انتفاضة الحجارة إلى الانتفاضة الثانية

انتقل مركز النضال إلى داخل فلسطين، وانتقل مركز الثقل في المواجهة مع إسرائيل من الكفاح المسلح من الخارج إلى دعم النضال الجماهيري داخل الأرض المحتلة، الذي تُوّج بالانتفاضة الشعبية الأولى عام 1987، وتغيرت الأداة الرئيسة للمقاومة من السلاح إلى الحجارة والمقاومة الشعبية بأشكالها المختلفة.

بدأ التحول في بنية الكفاح المسلح الفلسطيني، إذاً، منذ أن تبنّت المنظمة البرنامج المرحلي، في مسار شهد معارك كبرى مجيدة، وتنازلات تدريجية، وتغييرًا في الأهداف الاستراتيجية، وفي تحديد وظيفة الكفاح المسلح وموقعه وبنيته، بالتوازي مع متغيرات المشهد السياسي. ثم جاء اتفاق أوسلو ليفتح مرحلةً اتسمت بمطاردة البُنى المنظمة التي مارست الكفاح المسلح، وأفرزت نهجين متعارضين في الساحة الفلسطينية، انتهت بانهيار مباحثات كامب ديفيد الثانية (يوليو/ تموز 2000)، واندلاع الانتفاضة الثانية التي تميّزت بفعلها العسكري، وهو فعل شجّعه ياسر عرفات في بداياته، محاولاً العودة إلى بندقيته، بهدف تحسين شروط عملية السلام، إلا أن تصاعد العمل العسكري والعمليات الاستشهادية أدّيا إلى خروج الأمور عن سيطرة القيادة الرسمية للسلطة، وانتهت باغتيال ياسر عرفات، واجتياح الجيش الإسرائيلي مناطق السلطة، والدخول في مرحلة مختلفة سياسيًا وعسكريًا.

من التنسيق الأمني إلى “طوفان الأقصى”

تميّز عهد محمود عباس بإعادة تأهيل أجهزة الأمن الفلسطينية على يد الجنرال الأميركي كيث دايتون، وزيادة التنسيق الأمني مع الاحتلال، وفق منطق خريطة الطريق. وزادت القبضة الأمنية في الضفة الغربية على نحو أدّى إلى تراجع العمل العسكري المنظم فيها، أو اتخاذه أشكالًا مستترة، مقابل تطور البنية القتالية في قطاع غزة الذي تعرّض لاجتياحات إسرائيلية متتابعة وحصار طويل، فنمت في القطاع، بعد اتفاق أوسلو، تجربة عسكرية مختلفة، إذ تصدّت المقاومة لاجتياحات صهيونية متكررة، وأسست بنية عسكرية منظمة، وطوّرت قدراتها الصاروخية لتشكّل قوة ردع محدودة. ثم جاءت عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وأعقبتها حرب الإبادة الجماعية التي شنّها الاحتلال على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وامتدت نيرانها إلى الضفة الغربية ولبنان وسورية وإيران، وشهدت هذه المرحلة مقاومةً أسطورية عزّ نظيرها، وصمودًا جماهيريا كبيرًا، وحراكًا شعبيًا اجتاح معظم دول العالم في مواجهة الإبادة الجماعية، سيكون له ما بعده، على الرغم من موازين القوى المختلة لمصلحة العدو، والتي تكرّست في اتفاق شرم الشيخ (أكتوبر/ تشرين الأول 2025) المبني على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذات النقاط ال20، وتشكيل “مجلس السلام” برئاسة ترامب الذي أصبح هو ومجلسه صاحب الوصاية الإدارية والقانونية والسياسية على قطاع غزة، في صيغة لعلها أكثر سوءًا من الانتداب أو الاستعمار. لينتهي الأمر إلى الاتفاق الأخير الذي توصّل إليه نيكولاي ملادينوف وجاريد كوشنر مع حركة حماس (وفصائل المقاومة) في يوليو/ تموز 2026، والقاضي بتفكيك شبكة أنفاقها، ومنظومات التصنيع لديها، وتسليم سلاحها إلى اللجنة الفلسطينية المكلفة بإدارة القطاع تحت ولاية مجلس السلام. وهي مبادئ كانت قد أُقرّت سابقًا بصيغتها العامة (نزع السلاح)، لكن المفاوضات حول تفاصيلها احتاجت إلى بضعة أشهر لتوضيح آلياتها، وانتهت بالصيغة المعلنة التي ما زالت تحتاج إلى اتفاقات أكثر تفصيلًا ستستغرق شهورًا إضافية، تتعلق بمراحلها، وبارتباطها بدخول اللجنة الإدارية، وتدريب الشرطة الفلسطينية وتشكيلها، وقوة الاستقرار الدولية، وتلازم خطوات سحب السلاح مع مراحل الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، ودخول المساعدات الإنسانية والطبية، ووقف القتل اليومي، وتنفيذ ما تبقى من بنود المرحلة الأولى التي لم تُنفَّذ بعد.

استخدمت حركة حماس القاعدة الفقهية “الضرورات تبيح المحظورات” لتمرير الاتفاق وتبريره، ولعلها محقة في جعل أولويتها وقف حرب الإبادة وإعمار غزة، لكن بموازاة ذلك، ثمة سؤال حول تداعياته: هل هو إعلان عن نهاية مرحلة ببرامجها وأدواتها، وتمهيد لمرحلة جديدة تُراجَع فيها البرامج والأدوات والفواعل؟ وهو ما رشح عن لقاء خليل الحية بجاريد كوشنر في القاهرة في أغسطس/ آب 2026، من أن “حماس”، بعد التزامها بالاتفاق، تسعى إلى التحوّل إلى حزب سياسي اجتماعي في المرحلة المقبلة.

وبذلك، حُسم عمليّاً، ولو إلى حين، جدل “سلاح المقاومة” لمصلحة وصاية دولية. وفي الجانب الآخر، بات واضحًا تراجع وظيفة السلطة الفلسطينية لتصبح إدارةً للسكان تحت الاحتلال وفق شروط المحتل، وسعيها الحثيث إلى إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني بما يخدم هذه الوظيفة، في ظل تزايد المؤشرات على تعميق الانقسام الجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزّة، وتجاهل الشتات الفلسطيني، وتفاقم نظام الأبارتهايد الصهيوني في فلسطين كلها.

المقاومة حقّ والوسيلة ليست برنامجاً أو هدفاً

ثمة قاعدة أساسية أن الاستعمار والظلم والإحلال والضم والتهجير والإبادة لا بد أن تُقاوَم وتُواجَه بكل الأشكال الممكنة، بل إن وجود الاحتلال والظلم ذاته يؤدي إلى ابتكار أشكال مختلفة من المقاومة وولادتها. فعلى مدى التاريخ، لا يوجد احتلال أو استعمار أو ظلم لم يقاومه القابعون تحت سطوته وجرائمه بأدواتهم النضالية المتاحة كلها، وبما تتفتق عنه مخيلاتهم وتجاربهم، ومن ضمنها أنماط من المقاومة المسلحة (العنفية) والسلمية والقانونية والفردية وغيرها. وهو ما قام به الشعب الفلسطيني على مدى تاريخه.

غير أن وسائل المقاومة وأدواتها رهنٌ بموازين القوى، وكيفية تغييرها، وبناء القدرات والحواضن الاجتماعية والشعبية القادرة على حملها. وقد تحوّلت بعض وسائل النضال، مثل الكفاح المسلح، إلى برنامج قائم بذاته، واكتسبت ثوبًا من القداسة حوّلها إلى ما يشبه المشروع الوطني. المقاومة حق مشروع بأشكالها المختلفة، لكن شكل هذه المقاومة تفرضه عوامل مختلفة، وقد يتداخل أكثر من شكل في الوقت نفسه.

أدى الكفاح المسلح الفلسطيني دوراً مجيداً في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وأسهم في تعزيز الشخصية الفلسطينية، وحماية القضية من محاولات تصفيتها، وحقق منجزات على مستوى الكيانية السياسية الفلسطينية، وبلورة الهوية الكفاحية، وتنشئة جيل واعٍ سياسيًا. لكن ثمة وجه رئيس للنضال في كل مرحلة، تحدده معطيات الواقع وموازين القوى، وتجعل له الأولوية على ما سواه؛ ومن الأهمية بمكان التقاط الحلقة المركزية في كل مرة من دون إغفال أشكال النضال الأخرى، ولا يعني تفضيل شكل على آخر نفي غيره الذي قد يصبح أكثر أهمية في ظرف آخر.

أما استعادة الكفاح المسلح بوصفه برنامجاً كاملاً، كما كان بعد 1967، فأمر متعذّر وغير عملي ولا يتواءم مع الظروف الحالية، وإن بقيت المقاومة المسلحة إحدى أدوات المشروع الوطني الفلسطيني مستقبلاً، جنباً إلى جنب مع أشكال النضال الأخرى. ونخلص من ذلك كله إلى أن الأهم هو اختيار الوسيلة النضالية الأنسب لتحقيق الأهداف المنشودة في الوقت والمكان المناسبين، مع الاهتمام بالضوابط السياسية والأخلاقية لها، وعدم اعتبار الوسيلة هدفاً في حد ذاتها.

  • عن العربي الجديد

 

 

مشاركة