logo
الهروب إلى الحرب العالمية الثالثة
الإثنين 29/12/2025

• سامية عيسى
لم يعد سيناريو اندلاع صراع عالمي واسع مجرد تخمين، بل أصبح نتاجاً مرئياً لتفاعل معقد بين التحديات الجيوسياسية المفتوحة والضعف الهيكلي الداخلي للقوى العظمى الرئيسية الثلاث: أمريكا والصين وروسيا، سيكون مسرحها الأعنف في المحيطين الهادئ والهندي. الخطر يكمن في تحول هذا التفاعل إلى «نوافذ فرصة» تغري قادة تلك الدول بالعمل العسكري المتهور، مدفوعين بضرورات داخلية ملحة. وفي تحليل لأبرز المؤشرات التي ترفع من احتمالية الانزلاق إلى حرب شاملة، يجب التركيز على نقاط الاشتعال المباشرة والأعباء الداخلية التي تحملها القوى الكبرى هذه.
نقاط الاشتباك الكبرى وتآكل النظام الدولي
*تُشكل الأزمات الإقليمية الكبرى حالياً، نقاطاً حرجة تهدد بالانزلاق إلى مواجهة أوسع، حيث تتحول المنافسة بين هذه الكتل إلى مواجهة عسكرية مباشرة، أو عبر الوكلاء، في ظل تراجع قدرة المؤسسات الدولية على ضبط النزاعات، لاسيما مجلس الأمن.
*تُمثل الحرب في أوكرانيا أقصى نقطة تصادم جيوسياسي بين الغرب (الناتو) وروسيا منذ الحرب الباردة. هي في جوهرها حرب وكالة تُستنزف فيها موارد الطرفين، والخطر الأكبر يكمن في أي انهيار مفاجئ للخطوط الأمامية، أو استخدام روسيا لأسلحة غير تقليدية، أو هجوم مباشر على أراضي دولة عضو في حلف الناتو. هذا السيناريو، القائم على تطبيق المادة الخامسة من اتفاقية الدفاع المشترك، هو الطريق الأسرع نحو صراع نووي محتمل.
*أدت حرب غزة إلى انزلاق إقليمي واسع وسريع. فقد دفعت هذه الحرب إلى تصاعد المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، وتزايد الهجمات على القوات الأمريكية في المنطقة، واستهداف الملاحة في البحر الأحمر من قبل الحوثيين. هذا يخلق «مسارح قتال» متعددة ومتصلة، تتضارب فيها مصالح إيران والولايات المتحدة والقوى الإقليمية، ما يزيد من احتمالية حدوث خطأ عسكري قد يتسبب في تصعيد لا يمكن السيطرة عليه، وهو ما حدث فعلا وإن بشكل سريع ومحدود في يونيو الماضي ويمكن له أن يتكرر بشكل أعنف.
*يُعدّ مضيق تايوان أخطر نقطة تفجير واشتعال يمكن أن تؤدي إلى صراع عالمي لاسيما مع تكرار المناورات العسكرية في بحر الصين مؤخرا، التي أقامتها الصين واليابان وكوريا الجنوبية والبحرية الأمريكية. إن التزام الولايات المتحدة تجاه تايوان هو التزام استراتيجي غامض، لكنه حيوي، بينما تعتبر بكين الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من أراضيها. هذا الصراع قد يؤدي لاندلاع حرب كبرى عالية التقنية بين الولايات المتحدة وحلفائها (اليابان وكوريا الجنوبية) والصين. تكمن خطورة هذا السيناريو في أنّ الصين لا تزال تعتبر أنّ مسألة تايوان قضية داخلية، لكن التدخل الأمريكي سيجعلها صراعاً بين القوى العظمى، فضلا عن خطر تدمير الاقتصاد العالمي، بسبب تعطيل سلاسل الإمداد المتصلة بالرقائق الإلكترونية إن اندلعت هذه الحرب. إنّ تآكل النظام الدولي يُعزز من خطر هذه الاشتباكات مع تفكك آليات ضبط النزاعات العالمية. يشير الباحثون هنا إلى تآكل الثقة في المؤسسات الدولية وفشل الدبلوماسية في حل الأزمات الكبرى )تقرير ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام – SIPRI، 2024(. فقد تصاعد الإنفاق العسكري العالمي إلى مستوى قياسي بلغ نحو 2.5 تريليون دولار أمريكي. هذا الرقم يشير بوضوح إلى أنّ الدول تضع ثقتها الآن في القوة الصلبة، بدلاً من الأدوات الدبلوماسية الناعمة، ما يزيد من احتمالية حدوث المواجهة.
الضعف الداخلي للقوى العظمى كمحفز للتصعيد
تخلق الضغوط الداخلية الهيكلية لدى القوى العظمى أيضا «نوافذ فرصة» لاندلاع حرب كبرى قد تتحول إلى حرب عالمية. إذ يُنظر إلى الضغوط الداخلية على أنّها اللحظة المثالية للتصعيد، للتخفيف من الاحتقان الداخلي، فالقادة الذين يعانون من مشاكل داخلية قد يرون في المغامرة الخارجية «هروباً للأمام» لتوحيد الجبهة الداخلية أو لتحويل الانتباه عنها.
*يعتمد النظام الصيني على تحقيق النمو الاقتصادي السريع كشرعية له تتيح له السيطرة على البلاد. لذا إنّ أي تباطؤ أو أزمة تهدد هذه الشرعية تدفع الحزب الحاكم لتبني خطابات قومية متشددة. ولعل أهم محاور الأزمات الداخلية في الصين تتجلى في:
ـ العبء الديموغرافي المتصاعد عصيّ على الحل (كما اليابان وإن اختلفت الأسباب). إذ أدت سياسة الطفل الواحد إلى شيخوخة متسارعة تسببت في انخفاض حجم القوة العاملة الشابة. بالمقابل تزايد أعداد المتقاعدين يزيد من عبء الرعاية الاجتماعية (حسب بيانات المكتب الوطني للإحصاء الصيني 2024) الذي حذر من تداعيات انكماش عدد السكان في سن العمل للعام الثالث على التوالي، ومرشح له أن يستمر. هذا الانكماش يهدد نموذج «مصنع العالم» الذي مثّلته الصين، إذ يتسبب بارتفاع الأجور، ما يقلل من تنافسية السلع الصينية عبر العالم وتاليا من مكانتها الاقتصادية العالمية.
ـ الخطر الداخلي: يرتفع الخطر عندما يشعر القادة بأن «نافذة الفرصة» الاقتصادية (قدرة الصين على تحدي أمريكا) تغلق أو تضيق بسبب الشيخوخة، إذ يتوقع أن ينخفض معدل النمو الاقتصادي بشكل ملحوظ عن المستويات التاريخية، حسب «فايننشال تايمز» أواخر العام الماضي، مما يزيد الضغط على نظام المعاشات والرعاية الصحية، ويهدد هدف «الازدهار المشترك»، ويدفع للبحث عن حلول سريعة في الخارج، عبر القيام بعمل استباقي وجريء – خاصة تجاه تايوان – وقبل أن تتآكل إمكانياتها المادية ويتراجع اقتصادها. وهو ما يحدث بالفعل، لاسيما أنّ إلغاء نظام الطفل الواحد لم يفضِ إلى نتيجة تُذكر، مع تراجع رغبة الأجيال الشابة بالإنجاب بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة العقارات.
*تعاني الولايات المتحدة من أزمة ثقة في مؤسساتها، واستقطاب حزبي حاد تجلى مثلا في فوز زهران ممداني في انتخابات بلدية نيويورك. وإن استمر على هذا المنوال، فإنّه يعيق صياغة سياسة خارجية متسقة وطويلة الأمد. هذا الشلل قد يُشجع الخصوم على اختبار الحدود الأمريكية المحرمة، والتمرد على السياسات الأمريكية – في رفع ترامب للتعريفات الجمركية.
ـ العبء المالي: الديون الحكومية المرتفعة تستهلك جزءاً متزايداً من الميزانية، ما يفاقم الاستقطاب الداخلي حول الأولويات، وتجلى مؤخرا في الإغلاق الحكومي غير المسبوق. فحسب بيانات مكتب الميزانية بالكونغرس 2025، وصل الدين الفيدرالي إلى أكثر من 34 تريليون دولار. هذا العبء المالي يقيد من قدرة الحكومة على تخصيص الموارد استجابة للأزمات.
ـ تحدي الهجرة، إن تجاه المكسيك أو دول أخرى، حسب القرارات التنفيذية التي أقرها ترامب مؤخرا، إذ رغم أنّ الهجرة تخفف من حدة الشيخوخة وترفد الاقتصاد بعمالة رخيصة، فإنّها تغذي الاستقطاب السياسي الداخلي، ما يجعل الإدارة الأمريكية مشتتة، أو ضعيفة عند التفاوض على قضايا دولية كبرى.
*تعتمد روسيا بشكل كبير على عائدات الطاقة، ويعاني اقتصادها من ضعف هيكلي. هذا الضغط الاقتصادي يدفع القيادة إلى تبني خطط توسعية خارجية كـ «ضرورة وجودية» لضمان بقاء النظام. المغامرة في أوكرانيا كانت جزئياً استجابة لهذا الضعف الداخلي، والاعتماد على كاريزما بوتين، لن يفلح في تجنب الانزلاق في ما هو أخطر من حرب أوكرانيا، رغم مساعي ترامب في وقف الحرب على أوكرانيا وإجبار أوكرانيا على تقديم تنازلات خطيرة، قد تشجع بوتين على فتح جبهة جديدة ضد إحدى دول الناتو.
أخيرا، إنّ مؤشرات الحرب العالمية لا تقتصر على مواقع الصراع، بل تكمن في تقاطع أزمات القوى العظمى الداخلية مع مناطق الاشتباك الخارجية والتوتر العالمي المضاعف وسباق التسلح غير المسبوق، فضلا عن السباق على أتمتة أدوات الصراع. فالقادة الذين يعانون من ضغوط اقتصادية أو سياسية داخلية (كما في حالة الصين مع التباطؤ الاقتصادي، أو الولايات المتحدة مع الديون والاستقطاب) قد يرون في التصعيد الخارجي آلية للهروب. هذا يزيد من احتمالية الخطأ في التقدير والتصرف الاستباقي. لكن المسار الأكثر خطورة يمر عبر مضيق تايوان، حيث يلتقي التحدي الوجودي للصين (الناتج عن ضعفها الديموغرافي والاقتصادي) مع الالتزام الجيوسياسي للولايات المتحدة تجاه تايوان. هذا التلاقي يرفع مخاطر الانزلاق إلى صراع عالمي بشكل غير مسبوق. هذه العوامل مجتمعة تُشير إلى أنّ النظام العالمي يقف على حافة صراع قد يكون مصدره الأساسي محاولة القوى الكبرى «النجاة» من أعبائها الداخلية من خلال اللجوء إلى القوة الخارجية.
• عن القدس العربي

مشاركة