logo
بين الأمس واليوم: نكبة تتكرر
الأربعاء 25/03/2026

• مصطفى أبو شرار
أجلس وحيدا وسط جبال الركام والدمار والحجارة التي بقيت من غزة، الجميلة التي إحتضنتنا جميعا من بقاع مختلفة في فلسطين التاريخية وباتت ملجأنا، الحزينة التي إكتست اللون الرمادي إثر كابوس تجاوز الخيال، وفقدت زهو الألوان التي عودتنا عليها.
أعود بالذاكرة لجدي الذي كان يُجلسنا أنا واخوتي عندما كنا صغارا ليحدثنا عن مسقط رأسنا “دورا” قضاء الخليل وطقوسهم الجميلة في أراضيهم الخصبة والثمار التي كانوا يجنونها منها. حدثنا عن الجيران الذين كانوا يتعاونون ويؤازرون بعضهم كأسرة واحدة، يشارك الجار منهم جاره بأفراحه وأتراحه دون أن يطلب منه ذلك. أخبرنا عن نكبتهم وهجرتهم من أرضهم وكل ما مروا به حتى وصولهم وإستقرارهم في القطاع.

كان لجدي أربعة أطفال صغار. غادر وعائلته تحت تهديد السلاح، مشوا مع نازحين آخرين مسافة طويلة في طابور، كان ممنوعا عليهم تركه، ما أشبه اليوم بالبارحة، هذا ما حدث معنا خلال حرب الإبادة عند إضطررنا للنزوح من شمال غزة إلى جنوبها تحت تهديد العدو نفسه.
يقول جدي أنهم ساروا إلى قرية لم يختاروها تُدعى “النعاني” تقع بين “اللد” و”الرملة”، حيث إستقروا لبضع سنوات بعيدا عن مسقط رأسهم، تماما كما حدث معنا عند نزوحنا إلى جنوب القطاع، بالرغم من أننا كنا في غزة إلا أننا كنا نشعر بالغربة.
إضطر جدي وعائلته للنزوح مجددا، نزوح جديد وصفه بـ “المأساة” بين جبال وأحراش فلسطين. “كنا نأكل ورق الأشجار” أخبرنا أن أكثر ما أوجعه هو رؤية أطفاله على هذه الحال.
مكث والعائلة في مكان نزوحهم الجديد عدة أشهر، وسط جوع وحرمان. “أنا جائع يا أبي”، جملة لاحقت جدي وكسرته حتى قرر النزوح الى غزة والدموع تعتصر قلبه، ليس كرها للمدينة التي ستصبح بيته وإمتداد عائلته بل رغبة دفينة بالعودة إلى مسقط رأسه.
عاش في مخيم النصيرات قبل أن ينتقل إلى مدينة غزة. كبرت عائلته في حضن هذه المدينة وبات له أحفاد، أنا أحدهم، وربما أكثرهم إصغاء لقصصه حول معاناتهم. لا أدري اذا كان اللاوعي ينذرني بأن ما مر به جدي سنمر به بفعل بأسلحة أكثر فتكا وإجراما.

ما أشبه اليوم بالبارحة، أورثنا جدي نكبته، وها نحن اليوم أنا وأطفالي نعيش نكبة أخرى قاسية لعل وعسى أن تكون الأخيرة على شعبنا الذي يستحق خاتمة سعيدة لمعاناته الطويلة.

مشاركة