تدمير الذاكرة الفلسطينية
الإثنين 31/12/2018- رشيد حسن
في دراسة متميزة بعنوان «المحو والإنشاء في المشروع الصهيوني» نشرتها مجلة الدراسات الفلسطينية خريف 2013، تستعرض هنيدة غانم تفاصيل الجريمة البشعة التي إرتكبتها ويرتكبها العدو الصهيوني، لتدمير الذاكرة الفلسطينية، وإغتيال الزمن الفلسطيني..
في محاولة يائسة، لتمرير الرواية الصهيونية القائمة على التزييف والتزوير والتضليل.
ومن هنا..
«فالقوات الصهيونية كانت تقوم عادة في حرب 1948، وبعد طرد السكان العرب من قراهم وبيوتهم، بهدم البيوت وتسويتها بالأرض، ثم محو أسماء القرى من على الخرائط ومن السجلات، وهكذا عمليا تم تدمير مئات القرى الفلسطينية تدميرا كاملا، وجرى تفريغ خمس مدن هي: صفد وبيسان وطبرية وبئر السبع والمجدل من سكانها العرب بشكل تام، وهو المصير الذي واجهته الأحياء الغنية في القدس مثل القطمون والبقعة والطالبية، حيث طرد سكانها، وحل محلهم مهاجرون يهود، كما أجلي السواد الأعظم من السكان الفلسطينيين من خمس مدن أخرى هي: يافا وحيفا وعكا والرملة، ولم ينج من الدمار والترحيل إلا مدينة الناصرة، وذك بأوامر من إبن غوريون تهدف إلى تجنب إغضاب الفاتيكان والعالم المسيحي» ص110.
ولم يكتف العدو الصهيوني بطرد السكان، وهدم القرى، بل قام أيضا بمحو أسمائها من السجلات الرسمية، وإستبدالها في حال إقامة مستعمرات على أنقاضها، بإسماء عبرية وتوراتية، بينما كانت عملية الهدم تستهدف قطع الطريق أمام عودة اللاجئين، فإن عملية محو الأسماء من السجلات الرسمية والخرائط، ووضع أسماء عبرية ويهودية للمكان، كانت آداة لإستعمار الزمن بحيث يتم إبادة الزمن الفلسطيني من سيرة المكان بعد تدميره.
وفي هذا يقول إبن غوريون مفسرا أو بالأحرى مبررا عملية شطب الأسماء العربية:
«إننا مضطرون إلى إزالة الأسماء العربية، لأسباب تتعلق بالدولة، وتماما مثلما لا نعترف بحق الملكية السياسية للعرب في الأرض، لا نعترف أيضا بحقهم في الملكية الروحية وبأسمائهم» ص120.
وتشير الباحثة إلى دراسة قام بها الجغرافي الفلسطيني، غازي فلاح لمواقع «418» قرية فلسطينية، تم تهجير سكانها خلال النكبة، حيث وجد أن أكثر من ثلثي هذه القرى قد تم محو أي أثر لها بالكامل، وكان من جملتها «80» قرية، قلبت أرضها وحرثت، بعد أن جرى تدميرها، ثم زرعت أشجارا، أو تم حفر برك لتربية الأسماك فيها، وفي مقابل القرى التي دمرت، ويزيد عددها عن «400» قرية، فقد أقيم أكثر من ألف مستعمرة صهيونية حتى عام 2013، داخل الخط الاخضر» ص120.
وفي هذا يقول موشيه دايان وزير حرب العدو وأشهر جنرالاته:
«لقد حلت القرى اليهودية مكان القرى العربية، وليس في إستطاعتكم اليوم أن تعرفوا حتى أسماء تلك القرى العربية، وأنا لا ألومكم، قكتب الجغرافيا لم يعد لها وجود، بل القرى العربية ذاتها لم يعد لها وجود، لقد حلت «نهلال» محل «معلول» وحلت «جبعات» محل «جبع» وحلت « سريد محل «خنفيس» وكفار يهوشواع» مكان «تل الشام» ص121.
لقد وقف الشعب الفلسطيني على أبعاد وأهداف الجريمة الصهيونية مبكرا،، فحرص على الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية، وغرسها في الاجيال جيلا بعد جيل، بإعتبارها مكونا رئيسا من مكونات معركتة المصيريه مع العدو الصهيوني.
ومن هنا..
فأي طفل فلسطيني تلقاه، وفي أي مخيم من مخيمات الشتات الستين، وتسأله عن إسم قريته فيجيب على الفور وبدون تلكؤ..أنا من الطيرة، أو من المجدل، أو من شحمة، أو من المسمية..الخ..
كما حرص الشعب الفلسطيني وخاصة اللاجئين في المخيمات وفي المنافي على وضع خارطة لفلسطين في البيوت والمكاتب والمدارس..الخ.. تشمل أسماء كافة المدن والقرى لتستقر في وعي أبنائه واحفاده جيلا بعد جيل..
فالكبار لم ينسوا، وها هم الصغار يحفظون الأمانة ويعدون العدة ليوم الثأر والعودة.
وهو آتٍ لا محالة طال الزمن أم قصر.
- عن الدستور الأردنية