حتى يشق التجمع طريقه
الخميس 24/01/2019* طلال عوكل
في الإتجاه المعاكس للمشهد الفلسطيني العام المحكوم بحالة من الإستقطاب الشديد والإنقسام، الذي تتضاءل الآمال بإمكانية إنهائه، كانت خمسة فصائل من منظمة التحرير قد أعلنت عن تأسيس التجمع الديمقراطي.
الإعلان جاء متأخراً كثيراً بما لا يقل عن إثني عشر عاماً، هي عمر الإنقسام، حيث كانت الضرورة الموضوعية تفرض قيام تجمع وطني أو ديمقراطي واسع، يكون قادراً على تجاوز عجز الفصائل منفردة عن إمتلاك القدرة لتوفير إمكانية حقيقية قادرة على ممارسة الضغط والتأثير في إتجاه تجاوز أحكام حالة الإستقطاب، وبالتالي إنهاء الإنقسام.
ثمة فارق كبير بين الإستجابة للضرورات الموضوعية في وقتها، وبين تفويت كل هذا الوقت، حتى تقتنع الأطراف المعنية، بضرورة التقدم لتلبية هذا الإستحقاق.
وبدون مجاملة، فإن هذا التأخير، يعكس في حقيقة الأمر، عجزاً، نظرياً عن قراءات التحولات الجارية، ومآلاتها السياسية والإجتماعية وهو عجز مدفوع الثمن بطبيعة الحال، سواء لما يعانيه الشعب الفلسطيني وقضيته أو بما تعانيه الفصائل المعنية منفردة من ضعف القدرات، والإتهامات لها بالعجز عن التأثير في المجرى العام للأحداث.
كانت القراءة التحليلية السليمة للوقائع سواء في إطار العلاقات الداخلية الفلسطينية أو في إطار الصراع مع الإحتلال تشير مبكراً، إلى فشل المراهنة على خيار المفاوضات، وسياق إتفاقية أوسلو، وأيضا فشل مشروع المقاومة طالما أن الخيارين محكومان لحالة من التناقض الصارخ.
وكان سياق الأحداث، يشير إلى أن إسرائيل ليست بوارد تحقيق سلام مع الفلسطينيين يقوم على قرارات الأمم المتحدة وبرنامج الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. يعني ذلك موضوعياً، أن الفصائل الخمسة إياها، وربما فصائل اخرى، سيكون عليها أن تدرك بأن الأحداث والتطورات تتجاوز عملياً، الخلافات السياسية بينها. والتي شكلت في سابق المبادرات التجميعية ذريعة تخفي العصبوية التنظيمية. لسنا بصدد تقييم
أسباب فشل تمديد المبادرات التي وقعت في فخ العصبوية والذاتية التنظيمية، منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولكن نفترض أن الظروف الراهنة وطول التجربة، لا تدع مجالاً لأحد، لإستنهاض القدرات التبريرية، او للتفكير بإمكانية الإستجابة لرشوة ذاتية من هنا أو هناك، على حساب تجربة التجمع.
في الواقع فإن ثمة مبررات موضوعية أُخرى، تشكل أو المفروض أنها تشكل ضمانة للإستمرار والنهوض بأوضاع هذا التجمع، فكل أطرافه تقريباً، ترفض أوسلو، وتقترب سياسياً من حماس، وكلها تتفق مع البرنامج الإجتماعي لحركة فتح والسلطة، وتختلف إلى حد التناقض مع البرنامج الإجتماعي لحركة حماس والقوى الإسلامية الأُخرى.
يشكل هذا مبرراً كافياً لقوى التجمع، التي يترتب عليها أن تخوض معاركها، وتصيغ شعاراتها واهدافها وتقوم بنشاطاتها، بوعي عميق، ووفق إختيارات واضحة، للأولويات، إن كانت سياسية وطنية أم إجتماعية.
قبل بضعة أيام كان الزميل المتميز هاني المصري قد طرح سؤالاً حول الحلقة المركزية، وقدم ما يقرب من عشرة خيارات، كلها تنطوي على أهمية، ولكن لا يمكن لجميعها أن تشكل الحلقة المركزية التي يفترض أن تتمتع بالأولوية.
ندرك مدى صعوبة الإجابة عن سؤال الزميل هاني، أو أن يحصل أي عنوان منها على الإجماع، وذلك أمر طبيعي في ضوء الإختلاف الواسع بين الآراء المحكومة لمواقف مسبقة، تعكس إنحيازات حزبية ولكن لا مناص من الإجابة.
اذا كان هدف السؤال كما يتضح، يتعلق بالتجمع الديمقراطي، وهو كذلك ولكنه ليس حصرياً، ذلك أن تجمعاً كهذا يفترض أن يعكس برنامجه وشعاراته الهم الوطني العام، فإن الأولوية، ينبغي أن تكون أساساً حول هدف التخلص من الإحتلال.
نعلم بطبيعة الحال، أن هذا العنوان الذي يتصل بالتناقض الرئيسي بدون تجاهل للتناقضات الداخلية، يعني ضرورة العمل من أجل تحقيق توافق وطني على برنامج سياسي، الأمر الذي يتطلب أولوية فتح حوارات بهذا الخصوص يمكن أن تساعد نتائجها على فتح آفاق أمام إمكانية تحقيق المصالحة الوطنية.
وربما كان على التجمع وبقية القوى والفصائل الأخرى أن تتفق عملياً وبالممارسة في ضوء إستمرار الإنقسام، على وقف التدهور في الحالة الوطنية، وتجنيد الطاقات لحماية
الحقوق الوطنية ومقاومة وإفشال صفقة القرن، والمخططات التوسعية والعنصرية الإسرائيلية.
اذا كان هذا هو الهم العام، والهدف العام، بما أنه الهدف الذي يتفق تماماً مع مبادئ العمل السياسي التحرري، الذي يقدم دائماً، التناقضات الرئيسية مع الإحتلال على التناقضات في صفوف الشعب، فإن مستلزمات هذا الهدف متعددة وتحظى بأهمية.
اذاً يصبح أمر تقوية الصراع مع الإحتلال، يتطلب إنهاء الإنقسام وإعادة توحيد المؤسسة والقرار الفلسطيني على أساس الشراكة، والتعددية الحقيقية، من خلال العودة إلى صناديق الاقتراع.
يندرج تحت هذا الهدف، أهداف أخرى فرعية، أهمها برأينا العمل على تعزيز صمود المواطن الفلسطيني على أرضه، وإعادة صياغة الهوية الوطنية الجامعة للشعب الفلسطيني بمضامينها التحررية.
ليس لنا أن نحمل التجمع وهو في بداياته الأولى، المسؤولية عن النهوض بكل هذه الأعباء الثقيلة، لكن على أطرافه أن تتجاوز عصبويتها وذاتيتها التنظيمية، وأن تخلص للهدف العام، بحيث يكون إسم التجمع من خلال نشاطاته، أعلى وأكثر شهرة من إسم كل فصيل.
التجمع حتى الآن يشكل ثقلاً سياسياً ومعنوياً، لكنه على المستوى الشعبي، ليس كذلك، ولذلك فإنه كلما أخلص أصحاب المبادرة للأهداف التي إتفقوا عليها، كان ذلك سبباً لإتساع دائرة مؤيديه، خاصة وأن الكثير من هؤلاء محكومون لحالة من الحذر إزاء إمكانية نجاح التجربة.
* عن الأيام الفلسطينية