صفقة القرن و «الفلسطينو فوبيا» وتأصيل إستراتيجية الصراع
الخميس 2/01/2020فايز رشيد
بعد كشف تفاصيل بنود صفقة القرن، التي تنص على توقيع إتفاق ثلاثي بين كل من الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير، لحل ما يسميه ترامب «النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني»، تبين أن كافة بنودها شبه معروفة: القدس لن يتم تقسيمها وينقل سكانها العرب ليصبحوا سكاناً في الأراضي الفلسطينية وليس في «إسرائيل». بلدية القدس ستكون شاملة ومسؤولة عن جميع أراضي القدس «باستثناء التعليم الذي تتولاه «فلسطين الجديدة»، التي بدورها ستدفع لبلدية القدس اليهودية ضريبة الأرنونا والمياه (بمعنى آخر سيظل القسم العربي محتلاً). كافة مستوطنات الضفة الغربية (بما فيها البؤر الاستيطانية) تُضم إلى دولة الكيان. تقام دولة يطلق عليها «فلسطين الجديدة» على ما يتبقى من أراضي الضفة والقطاع، ومن أراض يتم اقتطاعها من سيناء، فقد نصت مسودة الصفقة على أن تقوم مصر بمنح أراض جديدة لفلسطين، لغرض إقامة مطار ومصانع، للتبادل التجاري والزراعة، من دون السماح للفلسطينيين بالسكن فيها. وأوضحت المسودة أن «حجم الأراضي وثمنها يكون متفقا عليه بين الأطراف، بواسطة الدولة المؤيدة التي سيتمّ تعريفها لاحقاً»، بينما سيتمّ شق طريق أوتستراد بين غزة والضفة الغربية، والسماح بإقامة ناقل للمياه للمعالجة تحت الأرض بين غزة والضفة. كما سيتمّ توقيع اتفاق بين «إسرائيل» و«فلسطين الجديدة» على أن تتولى «إسرائيل» الدفاع عن الثانية من «أيّ عدوان خارجي»، بشرط أن تدفع الأخيرة لدولة الاحتلال ثمن دفاع هذه الحماية، فيما يتمّ التفاوض بين إسرائيل والدول العربية على قيمة ما سيدفعه العرب للجيش الإسرائيلي «ثمناً للحماية». تفكيك حماس وجمع أسلحتها حتى الفردية. وبخصوص غور الأردن، أبرزت المسودة أنّه «سيظل في أيدي إسرائيل، كما هو اليوم»، كما ستشرف «إسرائيل»، حسبما تنص الصفقة، على شق طريق 90 كم، بينما يكون مسلكان من الطريق للفلسطينيين، ويربط فلسطين الجديدة مع الأردن، ويكون تحت إشراف إسرائيل. تنتقل المسودة بعدها إلى مراحل التنفيذ الزمنية وارتباطه، كما إنشاء بعض المشاريع فيها، ثم تتطرق أخيرا إلى مساهمة الدول المالية بالتفصيل في تنفيذ بنود الصفقة. بداية من الواضح أن بنود صفقة القرن، هي بنود تراكمية إسرائيلية، تبلورت على مدى
سبعين عاما، لكنها صيغت وتم انتقاء تعابيرها بصيغة ومفردات أمريكية، لكنها تعيد إنتاج الهدف الأمني العسكري الصهيوني ذاته، بما يكفل عدم قيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، والاستعاضة عنها بدولة، من وهم تسمى «فلسطين الجديدة» وللعلم هناك مكر وخبث كبيرين، فيمن انتقى هذا التعبير، فهو يقصد بها «دولة من نمط جديد ولا يوجد شبيه لها». دولة موزعة بين احتلال إسرائيلي (يجري تلطيفه بكلمة إشراف)، وأهداف يلتهي بها الفلسطينيون المحتلون حقيقة من خلال الإشراف الإسرائيلي الأمني العسكري عليهم، وإجراء ترانسفير للكثيرين منهم إلى القطاع وسيناء. إلهاء الفلسطينيين بالمطار والميناء ومجموعة من المشاريع التجارية، بالطبع لا حق لعودة اللاجئين والمطلوب من الدول العربية والأجنبية توطينهم. استعمال العلاقات الإسرائيلية العربية المتنامية للضغط على الفلسطينيين بكافة الوسائل والسبل (تجفيف مواردهم المالية، طردهم من الوظائف إلخ) للضغط عليهم للقبول بالصفقة. بالمعنى الاستراتيجي المقبل هذا يعني، العمل جديا على جعل الأردن وطنا بديلا للفلسطينيين، وبذلك يمكن التخفيف (إن لم يكن التخلص من الخطر الديموغرافي (الفوبيا) من الفلسطينيين). باختصار، المقصود تصفية القضية الفلسطينية تصفية تامة وشاملة ونهائية. أما الملاحظات العامة على الصفقة، فيمكن إجمالها في ما يلي: بنود الصفقة جرت دراساتها سنوات من لجان استراتيجية إسرائيلية أمريكية مشتركة، بالتعاون مع معاهد دراسات متخصصة، وأقسام معنية في الجامعات الأمريكية والإسرائيلية، وبعض الغربية، في الصراع الفلسطيني العربي الصهيوني، منذ تشكيل الصهيونية كحركة وتسمية هدفها، مرورا بـ184 مشروعا جرى طرحها منذ عام 1947 (مشروع ماك غي مساعد وزير الخارجية الأمريكي آنذاك)، مرورا بمشاريع إسرائيلية، أمريكية، بريطانية، عربية، دولية – وكلها معروفة بمحتوياتها- وصولا إلى «صفقة القرن» التي جاءت بنودها خليطا من مشاريع متعددة من تلك، لكنها أخذت بعين الاعتبار مستجدات 70 عاما من الصراع، وعوامله الإسرائيلية والفلسطينية، ومقارنتها مع المعارك الفلسطينية مع المهاجرين اليهود بمساندة الانتداب (الاحتلال) البريطاني لفلسطين.
حقيقة الأمر بنود بهذه التفاصيل الدقيقة، يشك بأن ترامب يعرف بعضها حتى، فهو الجاهل بالسياسة والتاريخ والتحليل الاستراتيجي، ولكن من أجل إعطائها مزيدا من القوة، طًرحتْ وتطرحْ وستطرحْ باسم ترامب (على أمل) إعادة انتخابه ثانية. أما لماذا إيراد الفلسطينوفوبيا هنا، فحقيقة الأمر، وبفعل الآلة الإعلامية السياسية الصهيونية الأمريكية الغربية الجهنمية عموما. فإنه منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، في سبيل نيل الحقوق الشعبية الوطنية الفلسطينية، ردّا على الاحتلال الكولونيالي الصهيوني العنصري الإحلالي للمستوطنين الغرباء لجزء من الأرض الفلسطينية عام 1947-1948 وإنشاء دولتهم الصهيونية العنصرية، كحصيلة توازنات
دولية آنذاك! وارتكاب هذه الدويلة لكل الموبقات والجرائم، سياسة التطهير العرقي من خلال المذابح، وعقيدة القتل والعنف الفاشي، وتهجير ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من وطنهم، ومسح 500 قرية فلسطينية من على وجه الأرض، وتطبيق الحكم العسكري الفاشي على أهلنا في منطقة 48، واستكمال احتلال الأرض الفلسطينية في عام 1967، علما أن هذه الحقوق الوطنية بما فيها حق عودة اللاجئين والتعويض عليهم، مصانة بقرارات واضحة وصريحة من الأمم المتحدة، حاولت هذه الآلة الجهنمية تشويه، نضالنا المشروع بقرارين واضحين من الأمم المتحدة، وكافة الهيئات الدولية المعنية، ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي، بما في ذلك الحق في استخدام الكفاح المسلح، فقد جرى اعتبار نضالنا إرهابا، ولسنوات طويلة حاولوا ويحاولون ربط الفلسطيني بالإرهاب، ولهذا عمّقوا من تعبير «الفلسطينو فوبيا».أما الذين «جنحوا» للسلام ووقعوا اتفاقيات أوسلو الكارثية، فلم يبق منها سوى ما تريده وتنفذه دويلة الكيان، استيطان، ضم أراض، هدم بيوت، خلع أشجار، اعتقالات، تعذيبب، تفنن في محاولة إذلال الفلسطينيين على الحواجز، اغتيال، قتل متعمد للأطفال. القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، اقتسام الحرم الإبراهيمي في الخليل ومحاولة ضم المدينة، ضم منطقة غور الأردن وشمال البحر الميت، سن القوانين التي تؤكد يهودية إسرائيل. نعم، رغم مرور أكثر من سبعة عقود على إنشاء دويلة الكيان، يمكن الجزم بأن ثمة حلقات مرسومة، معدّة وجاهزة لاستكمال هذا المشروع وأهدافه العليا، التي تتمثل أساساً بالتغيير الجغرافي والديموغرافي القسري في فلسطين، بغية التهويد النهائي لها في نهاية المطاف. صحيح أنه نجح في مصادرة مساحات واسعة من أراضي شعبنا، لكنه فشل حتى اللحظة في تحقيق خطته الديموغرافية وفقا لمؤتمرات هرتزيليا الخامس والسادس والسابع والأخير، خاصة أن خمسين في المئة من مجموع الشعب الفلسطيني، لا يزالون داخل فلسطين التاريخية، فضلاً عن عدم قدرة الكيان والمؤسسات الصهيونية (خاصة الوكالة اليهودية) جذب غالبية اليهود في العالم إلى فلسطين المحتلة حتى بداية عام 2019، فمن بين (13) مليون يهودي في العالم، يوجد في دولة الاحتلال 50.7% منهم، بما في ذلك في المستوطنات القائمة في الضفة الغربية ومدينة القدس. لقد علّمتنا تجربة سبعة عقود من الصراع مع هذا العدو الاستثنائي في فاشيته وعدوانه وشايلوكيته، أنه يسعى دوما للمزيد من السيطرة، ليس على الفلسطينيين وأرضهم، وإنما على بعض الأراضي العربية والعرب، هضبة الجولان ومزارع شبعا مثالا (إقرأوا تعليمات حاخامات مؤسسة السندرهين وعلى رأسهم الحاخام كاشتئيل والحاخام عوفوديا يوسف). أوردنا هذا الأمر للتدليل على أن «صفقة القرن» هي التي ستهيئ للكيان الصهيوني الحلقات المقبلة من مشروعه التوسعي الذي لا يتوقف ( لاحظوا أن بنود الصفقة لا تُلزم
إسرائيل بترسيم حدودها). تقر معظم القيادات الفلسطينية بأن اتفاق اوسلو انتهى مع مجيء ارييل شارون للحكم، وقد حاصر الرئيس ياسر عرفات واغتاله بالسم. أراد شارون اغتيال ما سموه بـ»السلام»، وتحويل اتفاقات أوسلو المؤقتة السياسية والأمنية والاقتصادية إلى قيد على الفلسطينيين، وإعفاء الكيان من مهمة إدارة حياة أكثر من 3 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبهدوء وبغطاء أمريكي تحولت اتفاقيات أوسلو المؤقتة إلى اتفاقيات أمنية، وتنسيق أمني فقط، وبالتوازي مع موت شارون، مات حل الدولتين. نعم سيشهد المستقبل نهاية ما سمي بـ»لعبة السلام»، وبالحتم واستجابة لظروف الواقع ستبرز حركات وبنى جديدة ذات رؤية مختلفة بصورة جذرية راديكالية، تعود بالصراع وأساسياته إلى مربع الصراع الأول، ولكن بنفس وقوى وآليات ووسائل وأساليب جديدة واستراتيجية، مستفيدة من أخطاء الثورات الفلسطينية كلها (الثورة الأولى في عام 1919 مرورا بكافة الثورات الأخرى، بما فيها المعاصرة، والانتفاضتان، ومراجعة مرحلة أوسلو اتفاقية ومسيرة وصولا إلى الراهن. بالتالي نحن كفلسطينيين بحاجة إلى تأصيل الاستراتيجية الصراعية، مع هذا العدو مستفيدين من الحقائق التي أوضحها الصراع على مدى سبعة عقود: لا حل للدولتين، ولا دولة ثنائية «القومية» وستحاول الصهيونية منع عوامل التاريخ لفرض حل الدولة الواحدة. يبقى علينا انتزاع تحرير وطننا من براثن هذا العدو الشايلوكي انتزاعا.
· عن القدس العربي