logo
صفقة ترامب.. كيان أقل من حكم ذاتي
السبت 16/03/2019

* محمود الريماوي

بدأت تتسرّب، في الآونة الأخيرة، ملامح صفقة الرئيس الأميركي، ترامب، المسماة “صفقة القرن”، والمزمع الإعلان عنها بعد أسابيع قليلة. والتسمية التفخيمية، على أي حال، يُراد بها إسباغ أهمية كبرى زائفة، كحال بعض الإعلانات التجارية التي تخاطب المستهلك: أنت رابحٌ دائماً، والربح هذه المرة أكبر من كل المرات السابقة. أما أنها “صفقة”، فإنه ينفي عنها صفة الخطة أو المشروع. أما ملامحها وخطوطها العريضة فمستقاةٌ من تقارير صحافية عربية وإسرائيلية، تتلاقى، في فحواها، مع إيماءات المبعوث الأميركي الرئاسي الشاب، جاريد كوشنر، الذي إنتقل من مهنة التطوير العقاري إلى وظيفة مستشار ومبعوث للبيت الأبيض، مولج بمعالجة إحدى أعقد قضايا عالمنا المعاصر، وهي قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقد قام بزيارات متعاقبة لمنطقة الشرق الأوسط خلال العامين الماضي والجاري.

وأهم ملامح الصفقة أنها لا تستند إلى مرجعية دولية شرعية، أي قرارات مجلس الأمن ذات العلاقة على مدى أكثر من سبعة عقود. ولا تسعى إلى إستكمال ما تم البدء به، من مفاوضات ومشاريع التسوية، كاتفاق أوسلو مثلاً. وتكاد الصفقة تنطلق من نقطة بدءٍ لا سابق لها. وهذا مما يتناسب كلياً مع رؤية الإحتلال الإسرائيلي الذي يرغب بالقفز عن كل مرجعيةٍ وكل شرعية، بل كل معايير للتسويات الجادة التي تستحقّ صفتها هذه. والإحتكام، بدلاً من ذلك، إلى معيار القوة العسكرية ومحدّدات الأمر الواقع.

ثم تتكشف شيئاً فشيئاً ملامح هذه الصفقة بتحريفها، المتعمد بالطبع، لجوهر الصراع والتسوية، وهي أرض فلسطين التي نشأت على جزءٍ كبيرٍ منها الدولة العبرية عام 1948، وتم إستكمال الإستيلاء على بقية الأرض في حرب عام 1967، إلى أن إنسحبت قوات الإحتلال من قطاع غزة عام 2005، وأبقت على الحصارين الجوي والبحري عليه، وشدّدت من إطباقها على الضفة الغربية (والجولان السوري). وتكاد الصفقة تُسلّم بحقٍّ مزعوم في إحتلال أرض الآخرين، وعلى الأخص القدس ومحيطها، وكذلك “الحق” في الغزو الإستيطاني، وإعادة الهندسة الديمغرافية للضفة الغربية المحتلة بصورة قسرية، وبالذات في القدس وما حولها، مع منح الرازحين تحت الإحتلال ما تسمّى فرصاً

إقتصادية، بديلاً عن حقهم في أرض الآباء والأجداد، والتي لا أرض لهم سواها. وهي عمليةٌ أشبه بمن يختطف بالقوة الغاشمة أفراد عائلةٍ ما ويقوم بتغييبهم، ثم القيام بتقديم عرض مالي لرب العائلة، تعويضاً له عن جميع أفراد عائلته المخطوفة والمغيّبة.

وتبعاً لما تسرّب، فإن مناطق أ و ب في الضفة الغربية، حسب تصنيف إعلان المبادئ (اتفاق أوسلو) لعام 1993، وبما يناهز نحو 40% من أراضي الضفة، سوف تتمتع بحكم إداري مدني، وقد تضاف إليها أحياء في القدس، مع إحتفاظ الإحتلال بالسيطرة على الحدود والأجواء، على أن هذا الكيان لن يكتسب صفة الديمومة، فالمطلوب هو الشروع بغير تأخير، بمفاوضاتٍ لإرساء وحدة إندماجية مع الأردن. علاوة على إقامة مناطق إقتصادية مشتركة على الحدود، فيما يُصار، بعدئذ، إلى إجراء مفاوضاتٍ مع الإحتلال، من أجل وضع ترتيبات الوضع النهائي. على أن يتم فتح مشاريع إقتصادية كبيرة في الضفة الغربية (تجعل منها نسخة من هونغ كونغ!)، وتسهيل التبادل التجاري وإنتقال العمال الفلسطينيين للعمل في إسرائيل. ويُراد من دول خليجية الإسهام بصورة كبيرة في الإنعاش الإقتصادي.

وكما هو جلي، لم تتضح بعض تفاصيل الصفقة بعد، ترمي إلى تصفيةٍ نهائيةٍ للقضية الفلسطينية، تقوم على شرعنة الأمر الواقع الإحتلالي، وتقويض الكيانية السياسية الفلسطينية، وكذلك طمس الهوية الوطنية الفلسطينية، وتذويب ذلك كله في أتون المصالح والفرص والمكاسب الإقتصادية. ويساجل مسؤولون أميركيون في البيت الأبيض أن مفاهيم السيادة والحدود، وحتى مفهوم الدولة المستقلة، قد طرأ عليها تغيير كبير في ظل العولمة. ويراد بهذه التفسيرات مخاطبة الفلسطينيين، غير أن هؤلاء المسؤولين لا يفكرون أبداً بمخاطبة إسرائيل بهذا المنطق.. إسرائيل التي تريد كل شيء على الأقل.

بينما تمنح هذه الصفقة للفلسطينيين كياناً هو أقرب إلى مناطق إدارية إقتصادية ذات أنظمة خاصة، لتسيير الأعمال والتوظيف، وإستيفاء الرسوم، وضمان إنسياب السلع والأفراد، فيما السيادة كلها والسلطة جميعها للإحتلال. وعلى سبيل المثال، سوف يسمح بإستمرار الوصاية الأردنية على الأماكن الإسلامية والمسيحية في القدس، وفق الخطة (وبدون وقف الإنتهاكات بحق هذه الأماكن!)، لكن السيادة على هذه الأماكن تبقى للإحتلال، لكون هذه الأماكن جزءاً من القدس التي تخضع للسيادة الإسرائيلية. وبهذا، سوف يكون الكيان المزمع إنشاؤه وفق الصفقة، في واقع الأمر، أقل من حكم ذاتي، فإقليم كردستان العراق المتمتع بحكم ذاتي يمتلك قوة شرطة وجيش (البشمركة)، ولا قيود على حجم الجيش وقوة الشرطة، ولديه حدودٌ معترفٌ بها، إضافة إلى السلطات التشريعية والتنفيذية، علماً أن

نموذج كردستان العراق لا يلبّي الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية في التحرّر والإستقلال.

الإنعاش الإقتصادي مرغوب ومطلوب، إذ يسند التسويات الجدّية، ويمنحها فرص الإستدامة، ويفتح الآفاق على التعاون المستقبلي بين الشعوب، كما حدث مع ألمانيا واليابان، بعد الحرب الكونية الثانية في مشروع مارشال، غير أنه لم يحدث بعد أن تم تصنيف المشاريع الإقتصادية بديلاً للحلول السياسية، أو أن شعباً ما يمكنه قبول رشى إقتصادية، لقاء التخلي عن كل شيء، عن: أرضه وهويته وحريته وتراثه ومستقبله. وذلك إكراماً لجموعٍ من متطرفين، ذوي نزعة عنصرية وغيبية، كحال زعامات اليمين الديني والحزبي في تل أبيب، وقد بدا أنهم جدّدوا الحلف الإسرائيلي الأميركي “التاريخي”، بمنحه صفة إضافية، هذه المرة، وهي الصفة “الدينية” التي تتلاقى فيها رؤى المتطرّفين الصهاينة، مع سياسيين ذوي رؤية إنجيلية في البيت الأبيض، وفي وزارة الخارجية الأميركية، ممن يعتبرون أن منظمة الأمم المتحدة لا لزوم لها، والمرجعية الشرعية الدولية لا تعنيهم في شيء، وكذلك مبادئ حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير والإحترام المتبادل بين الثقافات وإتباع العقائد والأديان.

 

* عن العربي الجديد

مشاركة