logo
عرزالي المنتظر
الإثنين 5/02/2018

البقاع – شبابيك – بسام جميل

أول ما يخطر في بال أي شخص يريد الانتقال للسكن من مدينة لمدينة، أن يبحث عن مدرسة ومكتبة عامة لعائلته وأطفاله. ويتوقع أن يجد فيها ما يحتاج أن يعرفه عن تاريخ هذه المدينة وربما سيعرف عن ما تقدمه ادارة المدينة من الخدمات الحكومية والخاصة، كالأنشطة التجارية، وأفضل معالمها السياحية فالمكتبات تضم منشورات وكتيبات عن كل شيء عدا عن الكتب التقليدية وخدمات الانترنت والارشفة. هذا ما نتوقع أن نجده في مدينة سياحية بارزة  أو في المدن الأوربية الكبيرة عموماً وبعض العواصم العربية. ربما نجد كل هذا على مستوى قرية هناك فهل لدينا شيء مشابه في لبنان ؟!

في زياراتي الكثيرة التي سبقت لجوئي إلى مخيم الجليل قبل خمس سنوات، لم يكن يعنيني أن أسأل عن مكتبة عامة لأستعير منها كتاباً أو أتعرف من خلالها على مدينة بعلبك، فزياراتي قصيرة للغاية والمدينة بحد ذاتها متواضعة، بمعنى أنها رفعت من مستوى “ناحية” لتسمى “مدينة” لاعتبارات إدارية لدى الحكومة اللبنانية، لكنها بعدد سكانها الذي لا يتعدى المائة وعشرون ألفاً وذلك مع ضم القرى المتناثرة التابعة لها، لا يمكن أن تكون أكثر من ناحية ادارياً  أو بقدرعدة  شوارع في مدينة كبيروت العاصمة وغيرها.

عرفت أن بعض الأفراد من الجيل الأول للنكبة في المخيم، ممن لديهم الاهتمام بالقراءة والمطالعة، يملكون مجموعة من المكتبات الخاصة ومعظمها ترزح تحت وطئة ثقل الغبار عليها داخل صناديق تقطع عنها أنفاسها، لكن أحداً لم يهتم لوجود مكتبة عامة، أقله بالمعايير المتعارف عليها للمكتبة.

يملك الجامع الوحيد في المخيم مجموعة جيدة من الكتب ويمكن لمن أراد أن يستعير ويقرأ، إلا أن هذه المجموعة لا تملك التنوع الذي يفترض أن تتوفر عليه مكتبة، وبهذا تفقد الأهلية لتكون مكتبة بمعايير ما أبحث عنه. هذا بطبيعة الحال أمر مسلم به نسبة للمؤسسة الحاضنة لهذه الكتب بأن ترفدها بما يثري إختصاصها.

عندما علمت بنية إحدى المؤسسات أن تقيم مكتبة تابعة لها في المخيم، بدأت أعد الأيام ليتحقق هذا الوعد، فالمكتبة لا تمنحني كتباً أحتاجها فقط، بل تقدم لي المكان الأمثل للقراءة الجيدة، الانارة المشبعة والمدروسة التوزيع، وأيضاً التكييف على مدار العام. أما الهدوء فسيتكفل به الموظف أو الموظفة، وربما كرسي مع وسادة لمد الساقين. في الأخيرة مبالغة لكنني انتظرت كل ما سوى ذلك.

مع بداية العام الجديد أطلقت مؤسسة التعاون بالشراكة مع مؤسسة الانعاش، المكتبة المنتظرة، وكنت في تلك الأثناء عالقاً في دوامة القراءة الالكترونية وشراء بعض الكتب المستعملة التي يعود اصدارها لخمسينات القرن الماضي.

وجدت خلاصي و”عرزالي” الذي سيزاحمني فيه صمت القراء. بدا لي الأمر بهذا الشكل وبالفعل بدأت أقلب العناوين الجديدة في هذه المكتبة الأنيقة والبسيطة. خمس طاولات تسند على الجدار الأيمن ويسامر كل طاولة ثلاث كراسي وتتصدر الكتب القاعة وعلى الجدار المقابل للطاولات، مجموعة من الحواسيب المحمولة وضعت على طاولة ضيقة تمتد متوسطة الجدار بين نهاية أرفف الكتب وزاوية تتوزع فيها صناديق القصص المخصصة للأطفال.

طاولتان مستديرتان مخصصتان لجلوس الأطفال حولها، تتوسطان القاعة.

ليس عرزالاً بالمعنى المشتهى للعزلة فحصة الأطفال كبيرة من هذه القاعة التي بدأت تضيق على روادها المفترضين في رأسي.

هل خاب رجائي وانتظاري؟ بالطبع لا.

 كان لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن القاعة تقع ضمن بناء روضة الانعاش في الطابق الأول الفني “الثاني” وهذا يعني أن معظم زوارها سيكونون من أطفال الروضة. جلست مع كتابي الأول الذي استعرته وبدأت أطالعه لعدة دقائق، حتى قوطع شرودي  بأصوات الأطفال وهم يصطفون خارج باب القاعة ويدخلون للمكتبة.  بدأت دوامة أنشطة الأطفال مع أمينة المكتبة فغادرت حاملاً كتابي لأمضي وأتابع قراءته في مكان أخر.

الأمر مشجع بوجود هذا الاهتمام بالأطفال ودفعهم نحو القراءة والانشطة الفكرية التي تساعد في نمو عقولهم وتساهم في شحذ ذكائهم ومخيلاتهم، فهذا بالضبط ما يجب أن يتوفر في كل مخيم وكل مدرسة.

للمراهقين من الطلبة ما يجدونه نافعاً ومعيناً لهم بتوفر الانترنت والحواسب والطباعة المجانية داخل هذه المكتبة لتسهم في تخفيف العبء عنهم وعن عائلاتهم، عدا عن قدرتهم على استعارة ما يشاؤون من كتب. أما القراء العاديون مثلي، الذين يبحثون عن مكان هادئ وبتوقيت مناسب للقراءة فلن يجدوا في المكتبة ما يسعفهم لذلك معظم الوقت. بين أنشطة الأطفال والدورات التي تقام في المكتبة والوقت الضيق الذي تم تحديده من العاشرة صباحاً حتى الرابعة عصراً، يبقى لهم أن يقوموا باستعارة ما يشاؤون من الكتب وحملها لمنازلهم  وإعادتها في أيام أخرى.

تعاونت مع ادارة المكتبة لتنفيذ دورة تعليمية في الكتابة الإبداعية وتم اختيار مجموعة من الأطفال في المرحلة الابتدائية. كانت من أفضل عشر ساعات عملت بها على الاطلاق، فالمكتبة استطاعت خلال وقت قصير أن تستقطب عدداً جيداً من الأطفال الذين ومن خلال قراءة القصص أصبحوا قادرين على اختراق مكامن الخيال وكتابة قصصهم الخاصة بهم.

ربما في الأيام القادمة سأعمل على اقامة دورات أخرى لفئات أخرى أيضاً، فهذا الفضاء المتاح أمام الجميع يجب أن يتسع برواده ويكون نواة تغيير ايجابي حقيقي، لكنني الآن أفكر بما أكتب والذي يفترض أنه مقال عن المكتبات، لا عن مكتبة بعينها. وهنا اتساءل عن واقع المكتبات الموجودة في باقي مخيمات لبنان، ما هو واقعها وكيف هو تفاعل الجمهور والأطفال معها، وهل تحقق ما يبنى عليه كبصيص أمل ؟

شاركوني رأيكم عن تجربتكم الخاصة أو العامة مع المكتبات في مخيماتكم

مشاركة