“غربان ديكسون” رواية الفلسطيني جهاد الرنتيسي: حين يقرأ اللاجئ أرشيف المستعمر ويعيد كتابة التاريخ
الأحد 30/11/2025• اياد شماسنة
تقدّم رواية “غربان ديكسون” للفلسطيني جهاد الرنتيسي مشروعاً سرديّاً–أرشيفيّاً حيّاً، يستثمر خبرة الكاتب الصحافية في تفكيك الأرشيف الاستعماري وكشف طبقاته. ينسج الرنتيسي خيطاً يمتدّ من لحظة تشكّل الكويت الحديثة إلى حضور الفلسطينيين فيها، منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى تسعينياته، عبر تتبّع مسيرة هارولد ديكسون صاحب كتاب “عرب الصحراء” وعائلته ووثائقهم، ومواقع تلامسها مع مصائر المعلّمين والعمّال الفلسطينيين في الخليج.
منذ العنوان، تتحوّل الرواية إلى صورة حسّية لاستعارة أوسع: جهاز استشراقي–إمبراطوري يحوم فوق الخراب، يراقب من علٍ، ويكتب “الشرق” بما يلائم عيناً غربية متحكّمة. وحين تُنسب هذه الغربان إلى “ديكسون”، يصبح المعتمد البريطاني تجسيداً لحقبة كاملة من السيطرة على الخليج، ولسلسلة طويلة من السياسات التي تشابكت فيها خرائط الكويت مع خرائط فلسطين؛ في استدعاء لموكبٍ من “الطيور السوداء” التي تسلّل خطابها لاحقاً إلى بعض النظرات العربية ذاتها، حتى صارت تعيد إنتاج صورتها عن نفسها بعيون الغير.
رواية ـ أرشيف: بنية هجينة
يفتتح الرنتيسي روايته بمشهد داخلي مكثّف: غرفة ضيّقة تُطِلّ على زقاق المخيّم، رفّ عليه كتب بالإنكليزية، ضوء يتسلّل من نافذة عالية، ولاجئ فلسطيني ينحني على دفتر أزرق يملأه بما يقتبسه من كتاب ديكسون عن “عرب الصحراء”، فتختلط على صفحاته ظلال الزقاق بظلال الأرشيف. من هذا الحيّز الصغير يتّسع السرد شيئاً فشيئاً ليصل إلى بيروت والكويت والمخيّم وقبّة الصخرة، من ثورة 1936 حتى تسعينيات القرن الماضي.
يتأرجح النص بين خطٍّ حسيٍّ يوميّ: الجدار المتقشّر، الماء الآسن، العجوز، الطفل، الحمامة المصعوقة؛ وخطٍّ أرشيفيٍّ وثائقيّ: كتب ديكسون وفيوليت وزهرة، البرقيات، تقارير المعلمين، مراسلات التبرّعات ووثائق الوجود الفلسطيني في الخليج. هكذا تتشكّل “رواية–أرشيف” يتحوّل فيها عمل الراوي ـ نسخاً وتعقيباً ومقارنةً بين روايات متعارضة للفعل الاستعماري ـ إلى مختبر مفتوح لإعادة كتابة التاريخ، يستدعي القارئ إلى موقع الشريك لا المتلقّي السلبي.
الراوي: من اللاجئ الفرد إلى الوعي الجمعي
لا ينشغل الراوي في “غربان ديكسون” بالبحث عن خلاصه الشخصي بقدر ما يصحبنا من مستوى إلى آخر: من تجربة لجوء راهنة في مخيم لبناني، إلى ذاكرة الفلسطينيين عن الكويت، إلى تاريخ مكتوب بلغات المستعمِر في أرشيفات لندن والهند والخليج. تتحوّل “الأنا” في النص إلى أداة لاستجواب “النحن”: الفلسطينيين، العرب، البدو، الكويتيين، والمستعمِر نفسه.
حول هذه الـ”أنا” تتجمّع أصوات أخرى: أبو إبراهيم، بدر، رشاد الناجي… شخصيات تقدّم شهادات أو تفتح خيوطاً جديدة للبحث، وتحيل إلى مرجعيات فكرية مثل فرانز فانون وإدوارد سعيد، المذكورين صراحة أو الموحى بهما في طريقة تفكيك العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، وبين خطاب القوة وخطاب الضحية. ومع ذلك تبقى هذه الأصوات مفلترة عبر الراوي الذي يكتب ويعلّق ويختار، فيغدو النص أقرب إلى مونولوغ فكري مكثّف منه إلى حوار روائي تعددي، دون أن يفقد حساسيته تجاه اختلاف المواقع والزوايا.
تضع الرواية خطاب هارولد ديكسون تحت مجهر نقدي صارم؛ فالسارد يقرأ كتبه كأنها ملفّ اتهام مفتوح، يتتبّع فيها انزلاقاته اللغوية والأخلاقية في تصوير البدو: من حديثه عن “وحشيتهم العاطفية”، وانشغالهم بالجنس والثأر، وتشبيه الغزوات بتمرين في اليوغا، إلى ترسيخ صورة الشرقي بوصفه “إنساناً أدنى”، أقرب إلى كائن صحراوي بدائي.
لا تكتفي الرواية بفضح هذا الخطاب، إنها تكشف أيضاً وظيفته السياسية: صور تُسخَّر لتبرير التغلغل الاستعماري، ورسم الخرائط، والتستّر على جرائم مثل محاولة حفر نفق تحت قبّة الصخرة للسطو على مقدّسات القدس؛ واقعة يطويها ديكسون في كتبه، بينما تفضحها شهادات وأرشيفات أخرى.
في هذا السياق، تظهر فيوليت وزهرة ديكسون كامتدادين مخفّفين للخطاب نفسه: فيوليت، “أمّ الحدود” في الخليج، تجوب الصحراء وتكتب عنها من منظور يرى الخليج “طفلاً لقيطاً” تحتاج الإمبراطورية إلى تربيته وحمايته؛ أمّا زهرة فتكتب بنبرة استعلاء مواربة، ترث عن أبيها تقسيم سكّان الكويت إلى طبقات (كويتيون، فُرس، فلسطينيون، مهاجرون عرب)، وتطلق على الفلسطينيين حكماً شبه نهائي يربطهم بالفساد والنفعيّة، في صياغة مبكّرة لمخيال معادٍ للفلسطينيين سيُعاد تدويره لاحقاً في بعض الخطابات الخليجية.
الكويت وفلسطين: إعادة سرد تاريخ مسكوت عنه
تفتح الرواية أفقاً مختلفاً لقراءة العلاقات الكويتية–الفلسطينية خارج القوالب الجاهزة؛ إذ تتبّع مراسلات المعتمدين البريطانيين (ديكسون، فاول، ديغوري…) يكشف أن استقدام المعلّمين الفلسطينيين إلى الكويت في الثلاثينيات لم يكن مجرّد خطوة تعليمية، بل ترتيباً دقيقاً يوازن بين حاجة الإمارة إلى الكوادر وبين إبقائها في مدار النفوذ البريطاني. تتوقّف الرواية عند تفاصيل صغيرة لكنها دالّة: المفاضلة بين العراق وفلسطين، الاعتماد على المدارس المهنية الفلسطينية، اشتراط مستوى لا يقلّ عن المعلمين السوريين، وملاحقة ناشطين مثل ذو الكفل عبد اللطيف الذي حُوِّل “نفياً” إلى الكويت، في مفارقة تلخّص عبث الجغرافيا الاستعمارية.
بالتوازي، تستعيد الرواية مشاهد دعم الكويتيين لثورة 1936: تبرّعات التجّار، اجتماعات اللجان، توتّر الحاكم بين ضغط الشارع والبرقيات البريطانية، وذعر المستعمِر من تحوّل التضامن مع فلسطين إلى مدخل لمطالبة الكويتيين أنفسهم بدور سياسي أوسع. وتربط هذه اللحظة بما أعقبها من قمع محسوب، وإصلاحات مضبوطة، وتضييق على القوميين واليساريين، وصولاً إلى مرحلة “إعادة ترتيب” الوجود الفلسطيني في الكويت بعد نكسة 1967 وما تلاها.
لا يقلّ زقاق المخيّم شأناً عن فضاءات الخليج والأرشيف؛ إنّه الجسد الحيّ للهشاشة الفلسطينية: جدار متقشّر، مجرى ماء داكن، نوافذ تنطفئ واحدة تلو أخرى، عجوز يجرّ عكّازه، وسلك كهرباء يصعق حمامة بيضاء. في هذه البقعة الضيّقة تتكثّف آثار التاريخ الذي تكشفه الوثائق البعيدة.
من غرفة تطلّ على الزقاق يكتب الراوي؛ على صفحته تتجاور حفرة النفق الاستعماري تحت قبّة الصخرة مع الحفرة الإسمنتية التي يجري فيها الماء الوسخ، ويتجاور اجتماع التجّار الكويتيين لدعم الثورة مع اجتماع الجيران في المخيّم حول هموم اليوم. هذا التشابك بين الميكرو–اليومي والماكرو–التاريخي يحول دون تجريد الرواية، ويذكّر بأنّ التاريخ، في نهايته، هو ما يتسرّب إلى تفاصيل حياة الناس في الأزقّة والمخيّمات.
اللغة والأسلوب: بين جفاف الوثيقة وشِعرية السرد
يكتب الرنتيسي بأسلوب يبدو مكثّفاً واقتصادياً في الظاهر، لكنه مشحون بالإيحاء؛ جمل قصيرة متلاحقة كأنها أنفاس متقطّعة، تتخلّلها أفعال حسّية تتكرر: يتأمّل، يحدّق، يطوي، يشعل، ينظر. هذه الحركية تكسّر جفاف البرقيات والأرقام، وتعيدها إلى جسد إنساني يقرأ ويتوتّر ويعرق.
في الوقت نفسه، يوظّف الكاتب تقنيات الميتاسرد: يعلّق الراوي على ما يكتبه، ويتردّد بين توسيع صورة أو إرجائها، مع حواشٍ داخل النص تحيل إلى مراجع تاريخية حقيقية، في ما يشبه جسراً بين الرواية والدراسة، من دون أن ينقلب النصّ إلى بحث أكاديمي.
بهذه اللغة، المتأرجحة بين التوثيق والشاعرية، يُفترض قارئ يقِظ قادر على ملاحقة الإحالات من دون أن يفلت منه الخيط السردي؛ لكنها في المقابل تكافئه بقراءة غنيّة تفتح أفق التأمّل في معنى التاريخ، لا مجرّد استهلاك حكاية مكتملة.
تكمن قوّة “غربان ديكسون” في أنّها تقترح تصوراً مختلفا لما يمكن أن تكونه “الرواية السياسية” العربية؛ فهي لا ترفع شعارات مباشرة عن الاستعمار أو النفط أو فلسطين، بل تنزل إلى طبقة الخطاب نفسه: كيف كُتب الشرق في نصوص المستعمِر، وكيف أسهمت هذه النصوص في تشكيل وعي جزء من النخب العربية، وكيف يمكن لرواية يكتبها لاجئ في مخيّم أن تضع هذا الأرشيف تحت المجهر، فتقرأه من موقع الضحية–الفاعلة لا من موقع الغراب المحلّق فوق الجثث.
تربط الرواية بين تاريخ الخليج السياسي والاقتصادي وبين التجربة الفلسطينية في الشتات، وتكفّ عن التعامل مع الكويت بوصفها مجرّد “محطّة عمل” عابرة لتقدّمها مسرحاً لصراع السرديات بين المستعمِر والوطني، وبين الفلسطيني والكويتي، وبين المخيّم والمدينة.
مع ذلك، تواجه الرواية بعض التحدّيات الجمالية. فشدّة كثافة الإحالات المرجعية تجعل النص عالي العتبة، يتطلّب قارئاً ملمّاً بتاريخ الخليج وفلسطين في النصف الأوّل من القرن العشرين كي يلتقط طبقات اللعب على الأسماء والتواريخ. كما أنّ هيمنة صوت الراوي الواحد، رغم تعدّد المصادر التي يستند إليها، تضيّق أحياناً إمكان توسيع لعبة تعدّد المنظورات؛ كان من الممكن، مثلاً، منح زهرة ديكسون أو أحد المعلّمين الفلسطينيين مساحة سردية مستقلّة تضيف عمقاً حوارياً للنص.
رغم هذه الملاحظات، تظلّ “غربان ديكسون” عملاً روائياً مغامراً، ينجح في التقاط ذلك التوتر الخلّاق بين التاريخ والتخييل، بين الأرشيف والتفاصيل اليومية، وبين الخاصّ الفلسطيني والعامّ الخليجي. فالرواية ليست درساً في التاريخ، ولا بياناً سياسياً جاهزاً، بل محاولة فنية لإعادة فتح الأرشيف الاستعماري ومساءلته من جديد، هذه المرّة بعين لاجئ يقرأ ويختار ويعلّق ويعيد ترتيب الصفحات. بهذا المعنى، تضع الرواية نفسها في قلب أسئلة كبرى عن الاستشراق والذاكرة والعدالة التاريخية، وعن مكان الفلسطيني في خرائط الخليج، وتشكّل إضافة لسردية الرواية العربية المعاصرة، وللمشروع الإبداعي لجهاد الرنتيسي الذي يفضّل اقتحام مناطق الظل في تاريخنا على الاكتفاء بما تسمح به أضواء الخطاب السائد.
جهاد الرنتيسي: “غربان ديكسون”
دار المرايا، القاهرة 2025
144 صفحة.
• عن القدس العربي