logo
فلسطينيو العراق.. مستقبل اللاجئين وحقوقهم “غير الطبيعية”
الخميس 31/01/2019

حسام أبو حامد

بات الفلسطينيون اليوم الحلقة الأضعف في الإضطرابات الإجتماعية السياسية التي تعصف اليوم بعالمنا العربي. ولعل العراق اليوم، والذي يمثل حالة نموذجية للطائفية السياسية والصراعات العرقية والمذهبية المتفشية عربيا، يمثل أيضا حالةً نموذجيةً لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، تصفية ممنهجة، تستهدف مجالاتهم السوسيولوجية، وحقوقهم الإنسانية والسياسية.

الضيوف وأهل الدار

بإنسحابه من فلسطين عائدا إلى العراق بعد هزيمة العام 1948، نقل الجيش العراقي معه عشرات العائلات الفلسطينية من قرى إجزم، وجبع، وعين غزال، في قضاء حيفا. إنضمّت إلى هؤلاء الذين شكّلوا غالبية اللاجئين الفلسطينيين إلى العراق عائلاتٌ قَدِمَت من يافا ونابلس والقدس، وكانت الفلوجة قد أطلقت في حينه حملة بعنوان “أهل الدار لا ضيوف”، إستقبلت خلالها فلسطينيين قدموا من الأردن وسوريا.

أعقبت تلك الموجة الأولى من اللجوء الفلسطيني إلى العراق، موجات جديدة، كانت إحداها على أثر نكسة العام 1967، وأخرى كانت نتيجة حرب الخليج الثانية، بعد طرد الفلسطينيين من الكويت ودول خليجية أوائل التسعينيات، عقابا لهم على تعاطفهم مع ديكتاتور العراق الراحل صدام حسين، ليبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في العراق بين عامي 1948 و2013 قرابة 34000 لاجئ، وفق إحصائيات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

منذ وصول اللاجئين الفلسطينيين إلى العراق في 1948، والذين بلغ تعدادهم آنذاك حوالي خمسة آلاف فلسطيني، تولّت السلطات العراقية توزيعهم على مناطق مختلفة، وبالإضافة إلى الموصل شمالا، والبصرة جنوبا، إستقرّت تجمعاتهم في العاصمة بغداد في عدد من أحيائها؛ كالبلديات والسلام والزعفرانية والأمين وبغداد الجديدة وغيرها. ورفضت الحكومة العراقية آنذاك أن تؤدي “أونروا” أي دور إغاثي للاجئين الفلسطينيين على أراضيها، في مقابل تعهدها بتوفير إحتياجاتهم الضرورية عبر وزارة

الدفاع التي تكفّلت بهم حتى أواخر 1950، لينتقل ملفهم إلى رعاية وزارة الشؤون الإجتماعية وإشرافها.

إنحصر معظم اللاجئين ضمن تجمعاتهم المذكورة في ظروفٍ سكنيةٍ سيئة، ولم تتجاوز الخدمات السكنية الممنوحة لهؤلاء طيلة وجودهم في العراق 15%- 20% من إحتياجاتهم الحقيقية، وأتاحت الأوضاع الإقتصادية الجيدة للبعض القليل منهم السكن خارج تجمعات الفلسطينيين التقليدية. تحسنت أوضاعهم بعد أن نظمت قوانين عديدة صادرة عن السلطات العراقية المختصّة الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين، ليستقر عند معاملتهم كعراقيين، بموجب القانون رقم 51 للعام 1971، والقانون 202 الصادر عن مجلس قيادة الثورة العراقي في 12 سبتمبر/ أيلول 2001، بإستثناء الجنسية والحقوق السياسية، مع إعفائهم من خدمة العلم.

ثمن اللجوء المستمر

تدهورت أوضاع اللاجئين الفلسطينيين بوتيرة متسارعة منذ الإحتلال الأميركي للعراق العام 2003، ودفعوا ثمن لجوئهم المستمر في العراق، لتنكّل بهم أطراف متعددة. فبعد أسابيع قليلة من إحتلال بغداد، هاجمت قوة أميركية مبنى السفارة الفلسطينية، لتقتحمه وتصادر وثائق ومعلومات، وتعتقل موظفين وديبلوماسيين. كما قصفت قوات أميركية تجمّع الفلسطينيين في حي البلديات، متسببة في مقتل وجرح حوالي 60 فلسطينيا، ودمرت مباني سكنية. و في العام نفسه (2003) تعرّضت 344 أسرة فلسطينية للتهجير القسري من مليشيات طائفية مسلحة.

ومع إحتدام الصراع الطائفي، بعد تفجير مرقد الإمام العسكري العام 2006، توسّل الفلسطينيون الهجرة، حفاظا على أرواحهم، وعلق بعضهم على حدود العراق مع دول عربية مجاورة في الصحراء أكثر من عامين ونصف العام، بعد أن رفضت حكومات تلك البلدان إستقبالهم، بينما منعتهم حكومة نوري المالكي من العودة إلى بغداد. ويبدو أنه كان هناك فارق شاسع بين قبض أثمان إقتصادية وسياسية لقاء إستقبال بضعة ملايين من لاجئين عراقيين وتحمل تبعات إستضافة مئات أو عشرات من اللاجئين الفلسطينيين الذين وضع حدا لمأساتهم، في نهاية المطاف، توسّط الأمم المتحدة التي أمّنت لجوءهم إلى دول “شقيقة “غير عربية (منها السويد والنرويج ودول في أميركا اللاتينية)، أما السودان فكانت البلد العربي الوحيد الذي أعرب عن إستعداده لإستقبال عدد من هؤلاء اللاجئين.

كما دفعت هجمات المليشيات الطائفية التي إحتدمت في العام 2013 آلافا من اللاجئين الفلسطينيين إلى هجرة جديدة نحو تركيا، وماليزيا، وتايلاند، وإندونيسيا، والهند، وغيرها، أقام الفلسطينيون في معظمها، في ظل ظروف قاسية، مهدّدين بالطرد والإعتقال.

إجتثاث ممنهج

لأسباب طائفية وسياسية، إعتبر الفلسطينيون جزءا من أجندة عربية معادية للعراق. ووفقا للسفارة الفلسطينية في بغداد؛ قتل ما بين 2003 و2016 أكثر من 300 لاجئ فلسطيني على يد جماعات مسلحة. ومما زاد أوضاعهم سوءا أن الحكومات العراقية المتعاقبة، والخاضعة للوصايتين، الخارجية والإقليمية، لا تعترف بهم، كونهم يحملون هويّاتٍ منحت لهم أيام الرئيس العراقي المخلوع صدّام حسين، ولم تمنحهم تلك الحكومات هويّات جديدة. وبتركهم من دون غطاء قانوني، مع النظر إليهم بوصفهم “أحباب صدّام”، أو “أزلام البعث”، أو بوصفهم سنّة، تّم النظر إلى حقوقهم وإمتيازاتهم على أنها “حقوق غير طبيعية”، وإستُهدفوا بعمليات خطف وتعذيب وإبتزاز مالي، من الحكومة العراقية، والمليشيات الطائفية، ونُظر إليهم أمنيا بوصفهم مشاريع إرهابية، ولتجمعاتهم بوصفها بيئاتٍ حاضنةً للإرهاب. ولغاية التحريض على اللاجئين، إنتشرت عبر مواقع التواصل الإجتماعي تقارير ملفّقة، منسوبةٌ لجهاتٍ رسمية عراقية، تشير إلى تورّط فلسطينيين في أعمال إرهابية، إدّعى أحدُها، أواسط العام 2017، منسوبا إلى وزارة الداخلية العراقية، أن الفلسطينيين إحتلوا المرتبة الأولى في أعداد الإنتحاريين العرب الذين فجّروا أنفسهم في العراق ما بين العام 2007 و2013.

لم يسلم الفلسطينيون، أيضا، من إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فبعد سيطرة الأخير على الموصل، العام 2014، هرب الفلسطينيون من بطشه إلى مخيم بحركة في أربيل، ولم يستطيعوا العودة، بعد تدمير بيوتهم، وخشيتهم من بطش المليشيات الطائفية في عملياتٍ إنتقامية، كما أبلغ التنظيم إبّان سيطرته على الأنبار 17 عائلة فلسطينية بوجوب مغادرة بيوتها، فنزحت إلى كركوك في كردستان العراق.

لم تتوقف الأمور عند هذا الحد، إذ استغلت عشائر مجاورة لتجمعهم الأكبر في حي البلديات (788 وحدة سكنية)، الفوضى الأمنية لتهديدهم، وإجبارهم على غلق محالهم التجارية، ومغادرة مساكنهم، مع التمدّد والإستيلاء على المساحات الفارغة (حدائق أو ساحات) القليلة المتبقية ضمن الحي.

إتهمت منظمات عديدة، في تقاريرها، الإحتلال الأميركي، والحكومة العراقية ومليشيات طائفية، بإنتهاكاتٍ ضد حقوق الإنسان، مورست بحق اللاجئين الفلسطينيين، وممارسة الاجتثاث الممنهج، والتطهير العرقي والطائفي بحقهم (راجع تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا في مايو/ أيار 2016، وتقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في 7 يوليو/ تموز 2012). وثّقت تلك التقارير عمليات قتل وتهجير وإعتقال تعسفي وتعذيب، وأحكاما جائرة مستندة إلى تهم ملفّقة، إضافة إلى الاحتجاز في ظروفٍ غير لائقة، بعضُهم في سجون سرّية، جوُّعوا وحُرموا من العلاج. كما وثقت حالات إقتحام لبيوت اللاجئين، وحمّلت وزارة الداخلية العراقية المسؤولية عن تفاقم أوضاعهم، لعدم حمايتهم وعرقلة تصاريح الإقامة الخاصة بالأجانب، وتقليصها من ثلاثة أشهر إلى شهر.

الفلسطينيون بوصفهم أجانب

نشرت صحيفة العربي الجديد، في 21 ديسمبر/ كانون الأول 2017، وثيقة ذكرت أنها صادرة عن مكتب الرئيس العراقي فؤاد المعصوم، تظهر مصادقته في الشهر نفسه على قانون إقامة الأجانب رقم 76، والذي ينصّ على إلغاء القوانين الصادرة عن مجلس قيادة الثورة العراقي (المنحل)، بما فيها القانون 202 وإمتيازاته، ليضع القانون 76 اللاجئ الفلسطيني ضمن خانة المقيمين الأجانب بلا أي إمتيازاتٍ أخرى. وأوضحت الصحيفة أن القانون صار نافذاً بعد إقراره ونشره في جريدة الوقائع العراقية الرسمية بالعدد 4466.

كان القانون 202 الصادر عن مجلس قيادة الثورة العراقي في 12 سبتمبر/ أيلول 2001 قد نصّ على أن تتم معاملة الفلسطيني كالعراقي في جميع الإمتيازات، وحقوق المواطنة، بإستثناء حصوله على الجنسية العراقية، بما في ذلك منحه الحق في التوظيف والعمل في دوائر الدولة ومؤسساتها، بالإضافة إلى حقه في التعليم والصحة المجانيين، والعمل والتقاعد، والبطاقة الغذائية الشهرية، والسكن المجّاني، والإعفاء الضريبي. كما تتضمن الإمتيازات إصدار وثائق سفر تمكّنه من السفر إلى خارج العراق، وإلزام السفارات العراقية خارج البلاد بمعاملته، حال مراجعته لها، كمواطن عراقي، فضلاً عن حق الإقتراض والمعاملات البنكية المختلفة، وأي إمتيازات أخرى.

بعد ضجةٍ أثارها نشر الصحيفة للوثيقة، وعلى الرغم من أن القانون الجديد قد عرّف الأجنبي، من دون أي إستثناء صريح أو مضمر للاجئين الفلسطينيين، إدّعى بيان

الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي في ديسمبر/ كانون الأول 2017 أن القرار لم يتطرّق إلى مسألة اللجوء، لا من قريب ولا من بعيد، بحجة أن أوضاعهم ما زالت معالجة بموجب قانون اللاجئين رقم 51 لسنة 1971، وشدّدت على أن حقوق الفلسطينيين في العراق ثابتة ومحترمة. وعلى الرغم من المواربة في تفسير القانون، ونفي مسؤولين عراقيين من مستوياتٍ مختلفةٍ أن تكون تلك القوانين قد طبّقت على المقيمين الفلسطينيين، كانت الإجراءات الفعلية تشير إلى غير ذلك، وهو ما تأكد اليوم الذي تجتهد فيه وزاراتٌ ومؤسساتٌ ودوائر حكومية عراقية علنا في حرمان الفلسطينيين من إمتيازاتهم، بوصفهم جزءا من العرب والأجانب المقيمين الذين يشملهم القانون 76.

وكان أبرز تلك الإجراءات ما إتخذته أخيرا دائرة التقاعد العامة، ووزارة التجارة، وتمثّل في سحب البطاقة الغذائية الشهرية عن الفلسطينيين والتي يصعب على العائلة في العراق الإستغناء عنها، ومنع الحقوق التقاعدية للفلسطيني المتوفّى، وحرمان ورثته. إتخذت أيضا قراراتٌ أخرى تتعلق بالطلاب، والوظائف، وإعادة فرض رسوم الصحة والتعليم والخدمات المختلفة عن الفلسطينيين بعد إعفائهم، وحرمانهم من التقدّم بطلبات للحصول على سكنٍ ضمن المشاريع الحكومية، كذلك حرمانهم من الإستفادة من القانون 21 الخاص بتعويض ضحايا العمليات الإرهابية، والأخطاء العسكرية التي إرتكبتها القوات الأميركية أو العراقية.

أي مستقبل للاجئين؟

وفق تقديرات غير رسمية، يوجد اليوم في العراق ما بين أربعة آلاف وستة آلاف لاجئ فلسطيني، هم الأفقر والأكثر بؤسا، مقارنةً بأشقائهم اللاجئين في دول الشتات الأخرى، سيما مع إلتباس وضعهم القانوني، نتيجة غياب إعتراف حكومي بهم، وعدم تمتعهم بأي حمايةٍ دولية، فهم لا يقعون ضمن مناطق عمل “أونروا” وخدماتها الإغاثية، ولا تعترف بهم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.

يدفع اللاجئون الفلسطينيون، وإخوتهم العرب سواء بسواء، اليوم، ثمن تصديقهم وهم مركزية القضية الفلسطينية الذي لم يخدم إلا رغبة الحاكم العربي المستبد في الفصل بين معركتي التحرير والتحرّر، وتغييب الثانية لصالح الأولى، ما كرّس فشلا ذريعا في معركة التحرير، وإستعصاءً في الحراك الشعبي المتأخر على طريق التحرّر في مواجهة البنى الإستبدادية المتجذّرة، ما هدد كيان الدولة، وفتّت مجتمعها، حتى صرنا

في شرقنا الأوسط الكبير “كلنا في البحر ماء”، بتعبير الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وضحايا في مواجهة ضحايا.

على الفلسطينيين اليوم أن يسألوا أنفسهم ما إذا كان بإمكانهم التعويل على تعاطف أو دعم رسمي عربي لم تعد قضيتهم أحد أولوياته؟ أو المراهنة على تعاطف شعوب عربية منهكة ومحبطة نفسيا، ومفكّكة إجتماعيا، ومنقسمة سياسيا – مذهبيا، وهي أبعد ما تكون عن نيل حقوقها، ناهيك عن ضمان الحفاظ معها على علاقاتٍ متوازنةٍ سليمة، تخلو من الكراهية، والتحريض، والرغبة في الإنتقام؟ ففي ظل الإستهداف المُمنهج والمتعمّد لوجودهم، بتواطؤ عربي رسمي، ولامبالاة شعبية متزايدة، وعجز رسمي فلسطيني سياسي وتمثيلي، ماذا يبقى أمام الفلسطينيين سوى إعادة تنظيم لجوئهم بعيدا عن حدود فلسطين التاريخية إلى تلك الدول غير الشقيقة التي هاجروا إليها، وما زالوا، قسرا أو طواعية؟ ألم تمحُ تلك الدول ماضيها الإستعماري الأسود بتمسّكها بحقوق الإنسان وبدولة القانون، وما زالت، على الرغم من رياح الشعبوية والعنصرية والتطرّف التي تهب عليها بين حين وآخر، تمنح اللاجئين حقوقا للمواطنة غير مشروطة بالعرق، أو الدين، أو المذهب، وغير محكومة بالشعارات والديماغوجيا، ولا يوجد في ثقافاتها السائدة ما تسمى “حقوقا غير طبيعية” ممنوحة لبني البشر؟

هل توفر تلك الدول لهؤلاء اللاجئين طريقا أقصر إلى فلسطين، وحقهم في العودة إليها؟ وهل في وسع هؤلاء اللاجئين توليد آليات جديدة، وأساليب مبتكرة، ومتنوعة للنضال الوطني، باتت مستحيلة في دول حفرت قبر مستقبلها بمعاول الطائفية السياسية والإستبداد؟ نعتقد أنها تساؤلات تستحق التأمل فلسطينيا.

* العربي الجديد

مشاركة