logo
لبنان بين إسرائيل الكبرى والقرابين المقدّمة على مذبح طهران
الجمعة 3/04/2026

• سامية عيسى
يواجه لبنان منذ بداية مارس 2026 فصلاً دموياً من فصول إعادة رسم الخريطة الإقليمية، حيث يتجاوز التصعيد العسكري كونه مواجهة أمنية ضمن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران منذ 28 فبراير 2026، ليصبح عملية «سطو جيوسياسي» تقودها عقلية «رجال العصابات» لا رؤساء الدول، ضمن مخطط معروف سلفا، تعد له إسرائيل علنا قبل حرب إسناد غزة بكثير.
إنّ أطماع إسرائيل في الجنوب اللبناني واحتلاله كانت مسألة وقت، بغض النظر عن مبررات حزب الله في كونه مقاومة تدافع عن لبنان، حيث لعب الحزب منذ تأسيسه في لبنان في بداية الثمانينيات دور الظهير الخلفي لنظام ولاية الفقيه في إيران، وقد أعلن ارتباطه به مرارا وتكرارا على لسان زعيمه الراحل السيد حسن نصرالله، ومن بعده الشيخ نعيم قاسم، لذلك لم نتفاجأ كثيرا حين بادر في اليوم الثاني من الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران بالقيام بهجوم صاروخي على إسرائيل، ردا على اغتيال المرشد الأعلى خامنئي، حسب بيانه، مضيفا عبارة «دفاعا عن لبنان» على سبيل رفع العتب، ومن غير أن يعبأ بتقديم ذريعة مجانية لإسرائيل، أو أن يعبأ بما سيحدث لحاضنته الشيعية في الجنوب، من تهجير قسري وتدمير قرى وبلدات بأكملها، على غرار ما فعل نتنياهو في غزة، متبعا سياسة الأرض المحروقة، وجعلها أمكنة غير صالحة للعيش.
إن الهدف الحقيقي وراء التغول الإسرائيلي البري في جنوب لبنان، هو وضع اليد على الثروات السيادية اللبنانية المتمثلة في المياه والغاز، تحت ذريعة حماية أمن المستوطنات من صواريخ حزب الله؛ فوفقاً لتقرير استراتيجي نشره «معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي» في 5 مارس، يسعى الجيش الإسرائيلي لفرض سيطرة هيدرولوجية دائمة على أحواض نهرَيْ الليطاني والوزاني، وهو ما عززته تقارير صحيفة «يديعوت أحرونوت» في 15 مارس حول بناء نقاط عسكرية للتحكم في تدفق المياه الجوفية. هذا «الابتلاع المائي» يتزامن مع تحركات بحرية لنهب الغاز في الساحل الجنوبي، حيث كشفت تقارير «ميدل إيست إيكونوميك سيرفي – MEES» في 18 مارس عن سعي نتنياهو لفرض «منطقة أمان بحرية» تقضم بلوكات الغاز اللبنانية (8 و9)، مستغلاً حالة الفوضى لربط هذه الحقول بالمنظومة الإسرائيلية في عملية نهب صريحة للثروة الوطنية.
وما يعزز هذه التوقعات هو العودة العلنية لخطاب «إسرائيل الكبرى» (من النيل إلى الفرات) في الأوساط اليمينية المتطرفة، وهو الطموح الذي وضعت لبناته الأولى منذ عام 1945 على لسان حاييم وايزمان أول رئيس لدولة إسرائيل بين عامي 1949 و1953. وحسب الوثائق التاريخية الموثقة في «موسوعة النكبة الفلسطينية» وأرشيف الأمم المتحدة، كان وايزمان قد طالب بضم مساحات شاسعة تصل إلى 45.000 ميل مربع تشمل أجزاء حيوية من جنوب لبنان والأردن وسوريا، معتبراً إياها «المجال الحيوي» للدولة الصهيونية، قبل حتى إعلان قيامها عام 1948..
هذا الحلم التوسعي يضع اليوم جميع الدول العربية، بما فيها السعودية ودول الخليج، تحت تهديد الإخضاع والنهب ضمن سيناريو مؤجل تحت مسمى «الشرق الأوسط الجديد»، الذي يروج له نتنياهو، والذي بات لبنان يُعتبر جزءاً عضوياً منه في الخرائط المسربة التي نشرتها صحيفة «إسرائيل هيوم» بالعربية في 2 مارس 2026. إن التدمير الممنهج لأكثر من 100 قرية وبلدة في جنوب لبنان خلال شهر مارس، الذي وثقته وكالة «الأناضول» في نشرتها العربية، و«المرصد اللبناني لحقوق الإنسان» في 7 مارس، ليس مجرد رد فعل عسكري، بل هو تطبيق عملي لسياسة «الأرض المحروقة» لتفريغ المنطقة من سكانها الأصليين وتحويلها إلى منطقة عازلة تخضع للسيطرة الاستعمارية. هذا المخطط يجري تحت غطاء «الذرائع الذهبية» التي قدمها حزب الله بارتهانه للعمق الإيراني، حيث كشف تحليل «مركز جسور للدراسات» في 19 مارس، أنّ ترسانته الصاروخية ظلت مخزنة لحماية طهران، تاركةً الجنوب وسكانه «قرابين» على مذبح إيران. إن مليون نازح لبناني يعيشون اليوم في العراء هم الضحايا الأوائل لمشروع «إقليم الثروات المنهوبة» الذي يقوده ترامب ونتنياهو، اللذان يتعاملان مع المنطقة كغنائم ومع الدول ذات السيادة كـ «شركات قابضة»، في مشهد يحذر من أن الدور قد يأتي على بقية العواصم العربية بمجرد الانتهاء من حرق الأوراق الإيرانية، لتبدأ مرحلة «النهب النفطي والمائي الشامل» تحت غطاء الهيمنة الإسرائيلية الكبرى، كان تدمير غزة والإبادة الجماعية المستمرة لسكانها الفصل الأول فيها.
إن مأساة مليون نازح لبناني يفترشون العراء منذ بداية شهر مارس، الذين وثق «المرصد اللبناني لحقوق الإنسان» معاناتهم في تقرير نشره في 7 مارس، هي النتيجة الحتمية لهذا الصدام المتهور. هؤلاء النازحون يعيشون في «خيم العزل»، بلا نصير، بعدما تسبب «الاستهداف الذكي» الإسرائيلي بالمسيّرات المقاتلة في ترهيب الحواضن اللبنانية من استضافتهم. إن ما يحدث في لبنان والجنوب تحديداً هو «بروفة» لما قد يمتد لاحقاً إلى دول عربية أخرى؛ فبمجرد الانتهاء من الملف الإيراني، قد تجد الدول الغنية بمواردها، نفسها أمام أطماع ترامب ونتنياهو اللذين لن يعدما الوسيلة لاختلاق ذرائع للنهب والسيطرة على غرار ما حدث في غزة وفنزويلا، أو ما قد يحدث في غرينلاند وإقليم سفالبارد النرويجي، أو كوبا التي يبدو أنّ محاولة نهب مواردها وإخضاعها آتية قريبا. هذا وإن كان لغزة حسابات أخرى في الأيديولوجية الصهيونية تتجاوز مجرد سعي لنهب مواردها الغازية، وإحلال مشاريع عقارية وسياحية على أنقاض خرابها، تتصل بمحو الوجود الفلسطيني نفسه على تراب فلسطين، لتأمين النقاء العرقي (الديني) لدولة اليهود كما حلم بها تيودور هيرتزل.
إن لبنان اليوم قد يكون المختبر الأول لمشروع «إقليم الثروات المنهوبة»، وهو كذلك بالفعل بعد السطو على أرض فلسطين التاريخية، حيث يُراد للجنوب أن يُبتلع مائياً وغازياً، ويُهجر شعبه، كما شعب فلسطين، ليتحول الوطن إلى ساحة عقيمة تحت وصاية «العصابات الدولية»، التي يتزعمها ترامب ونتنياهو، ويتحول إلى رقعة جديدة للاستيطان الإحلالي، وهو ما يتقاطع مع المشروع الإيراني في المنطقة في بعض أوجهه. وما لم يعد مجرد استنتاج تحليلي، بات اليوم اعترافاً صريحاً على ألسنة صنّاع القرار؛ فبينما يعلن نتنياهو في 24 مارس أنّ حدود إسرائيل الفعلية باتت عند نهر الليطاني كجزء من عملية تغيير وجه الشرق الأوسط، يخرج سموتريتش في 30مارس ليعيد إحياء أدبيات «إسرائيل الكبرى» معتبراً الجنوب اللبناني جزءاً من الأرض الموعودة. هذا التوسع الجغرافي يغطيه ترامب بـ «برغماتية متوحشة» عبر مطالبته العلنية بحصة من ثروات إيران النفطية، ما يؤكد أن المحرك الفعلي لهذه الحروب ليس الأيديولوجيا، بل هي عقيدة السطو على الموارد (الماء والغاز والنفط) وإخضاع المنطقة لنظام جباية دولي تقوده واشنطن وتنفذه تل أبيب.
هذه الأطماع كان يمكن للبنان مواجهتها على أيدي مقاومة وطنية لبنانية مستقلة، رسمية وشعبية، تتبع سياسة تتصف بالحكمة وبعد النظر لو توفر لها العمق العربي، بدل أخذه رهينة للسياسات الإيرانية المزعزعة للاستقرار، وبدل التفريط بأمن وسلامة وكرامة أهله لحماية نظام الولي الفقيه، وبدل جرّه إلى حروب «حق يراد به باطل» كان يمكن تأجيلها، أو تجنبها، في ظل موازين قوى تعمل لصالح إسرائيل، أقلّه إلى حين يستيقظ العرب من سباتهم ليحموا أنفسهم ومعهم لبنان وفلسطين وسوريا من هذا الوحش الضاري الذي يتهددنا جميعا، ويتهدد الباحة الخلفية لدول الخليج. حين تخلت الدول العربية عن فلسطين وشعبها فهي تخلت عن نفسها، وعن أمنها القومي وتركت الفراغ ليشغله الطامعون من كل حدب وصوب، وهو ما ينطبق على لبنان أيضا. إنّ الصراع الدائر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة ونظام ولاية الفقيه في إيران هو صراع بين خصمين يتقاتلان على الهيمنة على المنطقة العربية واستعباد شعوبها، وإخضاعها لأطماع إمبراطوريات لا صواب لديها حتى لتفقده.
• عن القدس العربي

مشاركة