logo
ماذا قال مخيم شاتيلا لإدوارد سعيد؟
الأربعاء 16/09/2026
  • مروان عبد العال

في السادس عشر من أيلول، نستعيد ذكرى مجزرة «صبرا وشاتيلا» التي ارتكبها العدو الإسرائيلي وعملاؤه عام 1982. أربعة وأربعون عاماً مضت، وما زالت الجراح طرية ونازفة وعصيّة على النسيان. وكلما حلّ أيلول ورأيت الوفود الإيطالية تعود إلى شاتيلا، أشعر أن المشهد يعبر المتوسط من الجهة الأخرى: أجيال تحمل أسماء الضحايا، تقف أمام المقبرة الجماعية، وتصغي إلى أهل المخيم. بدأت المبادرة عام 2000، حين أسّس الصحافي ستيفانو كاريني لجنة «كي لا ننسى صبرا وشاتيلا وحق العودة»، بمشاركة صاحب «السفير» الأستاذ طلال سلمان وآخرين، فيما يواصل اليوم الأستاذ قاسم العينا، مدير مؤسسة «أطفال الصمود»، تنظيم الوفود ومتابعتها. وهكذا تأتي الوفود، بأبنائها وأحفادها الذين لم يشهدوا المأساة، إلى مكان المجزرة لتقول لأهل المخيم إنهم لم يُتركوا وحدهم.

كلما حضروا، كل عام لإحياء الذكرى، أتذكر زيارة أخرى إلى شاتيلا، كنت أحد الذين انتظروها، لكنها لم تأت.
كان ذلك في آذار/مارس 2003، حين ألقى إدوارد سعيد محاضرته «النزعة الإنسانية والمقاومة الفكرية» في قاعة عصام فارس بالجامعة الأميركية في بيروت، أمام حشد غصّت به القاعة، فيما تولى الترجمة الدكتور سماح إدريس. وبعد المحاضرة، تلقيت اتصالاً من الكاتب إلياس خوري، وكان يعمل يومها في «النهار». قال إن سعيد يرغب في زيارة مخيم شاتيلا والمقبرة الجماعية ولقاء بعض سكانه.
لم نتعامل مع الخبر كخبر سياسي؛ تلقيناه في المخيم بشيء أقرب إلى الفرح الشخصي، وكأنّ رجلاً مثقفاً يعرف بعقله الأكاديمي قيمة المكان قرّر أن يأتي إلينا.

كان إدوارد سعيد، صاحب «الثقافة والإمبريالية»، ابن القدس الذي حمل فلسطين في المنفى، سيأتي إلى مخيم حمل واحدة من أكثر صفحات مخيمات لبنان دموية. وأحياناً أتساءل: لو كان بيننا اليوم، هل كان سيحدّثنا عن «الإمبريالية المتوحّشة»؟ ربما كان سيرى أن ما يجري يتجاوز فائض القوة إلى تحوّل في فلسفة السيطرة نفسها: قوة تحتكرها منظومة عالمية، وموت يتحوّل إلى أداة لإدارة الهيمنة، كما يوضح أشيل مبيمبي في مفهوم «سياسات الموت»، حيث تُمنح السلطة حق تحديد من يُترك للحياة ومن يُدفع إلى الفناء.
والأخطر أن هذه الوحشية لا تأتي بوجهها القديم، بل ترتدي قناع الحداثة والتقنية؛ فالذكاء الاصطناعي والمراقبة وأنظمة الاستهداف تجعل القتل أكثر دقّة وأشد برودة وأبعد عن رؤية الإنسان الذي يقع ضحية له. هنا لا تعود التكنولوجيا مجرد أداة للحرب، بل تصبح جزءاً من فلسفة السيطرة: إدارة الحياة بالمراقبة، والموت بالقوة، والذاكرة بالمحو.

بدأت مع آخرين بتنظيف مكتب الجبهة، من المدخل إلى الصالون فالحمام، ثم انتقلنا إلى قاعة الشعب الملاصقة. أذكر مواد التنظيف وسطل الدهان الأبيض الذي تبرّع به أحدهم، وكأننا كنا نريد أن نعيد للمكان شيئاً من الضوء قبل أن يصل إليه الزائر الاستثنائي.
كتبنا اللافتات على الكرتون والقماش، وانتقينا العبارات واحدة واحدة، ووضعنا بعض أقوال سعيد بينها. كنت أقرأ الكلمات قبل أن نرفعها، وأفكر كيف يمكن لمخيم صغير أن يخاطب مفكّراً بهذا الحجم من دون أن يفقد عفويته.
ثم وزّعنا الأدوار: الأطفال عند المدخل، النساء وكبار السن في قاعة الشعب، والشباب في المكتب. حتى مسار الزيارة أعددناه: ناقشنا احتمال التوجه إلى مقبرة الشهداء خارج المخيم، أو إلى المقبرة الواقعة تحت الجامع، وأبلغنا اللجنة الشعبية بالبرنامج. كنت أتخيّل سعيد يمشي بين الأزقة، وأننا سنمشي معه في المكان الذي اختُطفت منه إحدى أكثر صفحات هذه الرواية وجعاً.

  • عن صحيفة الأخبار اللبنانية

 

مشاركة