محاولة
الإثنين 5/02/2018بيروت – حسين أيوب (*)
كتبت أول نص أدبي، ولم أكن قد بلغت الخامسة عشرة من عمري. لا يفصل بين منزلنا وإحدى الصحف اليومية، سوى برهة إنتقال من رصيف إلى رصيف مقابل في شارع عفيف الطيبي. حملت كلماتي بخطي وقررت أن أحاول. إستقبلني الحارس ـ الفدائي، وأحالني إلى سكرتيرة رئيس التحرير. وقبل أن أعرّفها عن نفسي، أطل من باب خلفي، شاب طويل متصل الحاجبين وسألني بلا إستئذان “شو المطلوب”؟ قلت له وقد علا الإحمرار وجهي: هل تنشرون لي هذه القصيدة؟
قلب الرجل أوراقي وقوفا وقال لسكرتيرته: إطبعوها وحضروها للعدد الأسبوعي.
حصل ذلك في صيف العام 1980. هذه الجريدة هي “فلسطين الثورة” ورئيس تحريرها هو أحمد عبد الرحمن.
توطدت علاقتي مع فلسطين ومجلتها ومع إذاعة “صوت فلسطين” ووكالة “وفا” في الحي نفسه. تصوروا حجم حضور الإعلام الفلسطيني في لبنان حينذاك، وأن لا يجد شاب لبناني (في صف البريفيه) إلا وسيلة إعلامية فلـــسطينية تحتضن موهبته.
لكأن صحافة فلسطين التي إزدهرت في لبنان، إرتبطت بالثورة (ربما السلاح ضمنا) والزمن الجميل. زمن المنشور والمنبر وفرقة أبو عرب وآلة “القربة” وقاعة جمال عبد الناصر في جامعة بيروت العربية.
هي مجرد إستعادة للقول إن إطلاق مبادرة شبابية فلسطينية من لبنان، اليوم، لإنتاج منبر إلكتروني إخباري ـ تدريبي، يخاطب أبناء المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان وباقي تجمعات الشتات، إنما يشكل رداً على التهميش الإعلامي الذي يطال الشباب الفلسطيني في لبنان، برغم محاولات خجولة في بعض الصحف والمنابر اليسارية (والقومية) اللبنانية لإعطاء فسحة ظلت أسيرة صورة نمطية متداولة، خصوصا في السنوات الأخيرة، عندما أصبح المخيم أو التجمع الفلسطيني لا يرد ذكره إلا في معرض الحديث عن الإرهاب والإرهابيين!
إن نجاح هذا المنبر رهن بمجموعة عوامل منها التركيز على العمل الاستقصائي وبالتالي تقديم معلومات دقيقة تجعل الموقع تدريجيا مرجعية لا يمكن الإستغناء عنها من قبل الباحثين والمهتمين بالشأن الفلسطيني.
إن فسحة “شبابيك” الفلسطينية معنية بإقتحام مداها الحيوي اللبناني المباشر، وذلك بالتشبيك مع مبادرات لبنانية تلتقي معها على أهداف محددة وصغيرة، وأهمها ما يتصل بالواقع الإجتماعي للشباب، وهو واقع غير منفصل، من دون تغييب البعد السياسي للقضية الفلسطينية، وخصوصا حماية حق العودة وتحرير الأرض وبناء الدولة.
ليس خافيا على أحد أن المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان تضج بالطاقات والكفاءات، لكن منطق العزل العنصري لا يخنقها وحسب بل يدفعها للإرتماء أحيانا في حضن ظواهر لا تنبت إلا في بيئات التعصب والجهل والفقر والعوز.
الفرصة موجودة أمام “شبابيك” بأن يتنسم الشباب الفلسطيني وغير الفلسطيني نسائم من واقع يحتمل كل شيء، بما في ذلك “المحاولة”، فكيف إذا كانت “المحاولة” ومن يحاولون، من الذين يعوّل عليهم؟
(*) صحافي لبناني