logo
هل من سبيل لتحويل الخسارة الفلسطينية إلى فرصة؟
الثلاثاء 16/12/2025

• سامية عيسى
القول إنّ اليأس الفلسطيني «ليس ترفاً» بعد حرب الإبادة في غزة، ليس مجرد مقولة عاطفية، بل هو استنتاج يستند إلى تحليلات عميقة، تثبت أنّ التصدعات الداخلية في إسرائيل، إلى جانب تفكك النظام الدولي الداعم لها، توفر أساساً واقعياً لـ «أمل تحولي ورؤية نضالية جديدة».
حدث ما حدث، ولا ينفع الآن نقد تجربة حركة حماس، سواء «معركة طوفان الأقصى» التي خاضتها من دون حساب الكلفة الباهظة، التي تترتب عليها في ظل موازين قوى إقليمية ودولية غير مؤاتية، أو لجهة عدم اتخاذها إجراءات حماية لأهل غزة قبل القيام بالعملية، وإن كان هذا لا يلغي ضرورة مراجعة ما حدث، وتعلم العبر مما كان يحدث قبل هذه المعركة وما بعدها. فالآن أوان العمل والنهوض، وإن كان ذلك ضروريا للإجابة عن سؤال ما العمل بعد كل هذا الخراب؟ فرغم الخسائر المروعة التي تكبدها الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية أيضا – وما يزال – فالمشهد الحالي يشير إلى أنّ الكلفة الباهظة التي دفعها بدأت، أخيراً، تُترجم إلى ضغوط وجودية على الاحتلال، وعزلة غير مسبوقة على الساحة العالمية، حتى بعد التوصل إلى اتفاق ترامب لوقف الحرب. إذ ثمة مؤشرات إيجابية يجب ألا يغفلها الفلسطينيون والفلسطينيات، رغم كل ما حدث، منها:
أولاً: التصدعات الإسرائيلية من الداخل، وتدهور الاقتصاد الإسرائيلي، وعودة القلق الوجودي. إذ تُظهر المؤشرات الإسرائيلية، حسب استطلاعات الرأي الأخيرة، حتى في ظل وقف إطلاق نار هش، أنّ الثمن الذي دفعته إسرائيل يتجاوز الخسائر العسكرية بكثير، ليضرب صميم الاقتصاد والمجتمع. إذ تمر إسرائيل بأزمة اقتصادية صعبة رغم الادعاء بالنصر. لقد تحول الاقتصاد الإسرائيلي خلال عامين إلى «اقتصاد حرب» مثقل بالديون، وبات تحقيق «النصر الكامل» المزعوم على الأرض، يتناقض مع حتمية الخسارة الاقتصادية.. تشير التحليلات إلى أنّ الاقتصاد الإسرائيلي خسر المعركة بالفعل، ويستمر بالخسارة حتى مع وقف إطلاق النار. «الاقتصاد الإسرائيلي خسر الحرب على غزة.. وتتوقع «ستاندرد آند بورز» أنّ الناتج المحلي الإجمالي للفرد في إسرائيل سينكمش هذا العام بنسبة 0.2%، ما يعكس تدهور مستوى المعيشة، وحسب صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية ( 8 أكتوبر 2024). هذا الانكماش في مستوى المعيشة، الموثق في الصحافة الإسرائيلية، يؤكد أنّ «إسرائيل لم تعد قادرة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي لمواطنيها، من دون خفض نفقات الدفاع وزيادة الضرائب، مما يزيد الاحتقان الاجتماعي، حسب الصحيفة نفسها (8 أكتوبر 2024). إنّ التصدع السياسي والنفسي يتجلى في فقدان الثقة بالقيادة، ففي ظل خطة ترامب، التي سعت القيادة الإسرائيلية لاستغلالها مؤقتاً لرفع شعبيتها، تبقى أزمة الثقة بالقيادة عميقة ومستمرة. وقد أظهرت الاستطلاعات الإسرائيلية الأخيرة تراجعاً مستمراً في شرعية رئيس الوزراء حتى بعد إنجازات مرحلية.
فقد أظهر استطلاع «القناة 12» الإسرائيلية أنّ 52% من الإسرائيليين يعارضون ترشح نتنياهو للانتخابات المقبلة (2026)، مقابل 41% يؤيدون ذلك. (فلسطين أون لاين، نقلاً عن القناة 12 الإسرائيلية، 28 أكتوبر 2025). يشير هذا الرقم إلى أنّ الفشل الأمني في 7 أكتوبر لا يمكن محوه حتى باتفاقات وقف إطلاق النار، والغطرسة النتنياهوية بزعم النصر، وأنّ الأغلبية الساحقة من الجمهور الإسرائيلي تطالب بالمحاسبة وتجديد القيادة. إنّ القلق الوجودي والهجرة العكسية، التي وثقتها «هآرتس» سبتمبر 2024، تستمر بسبب زوال الشعور بالأمان المطلق، وبسبب تفاقم الانقسام بين العلمانيين والمتدينين، حول عبء التجنيد، وحين يبحث عشرات الآلاف من الإسرائيليين «عن وطن بديل ويعودون إلى حقبة التيه مجددا».
ثانياً: التصدعات الدولية في مكانة إسرائيل: إذ تتفكك الهيمنة العالمية الداعمة لإسرائيل، يتجلى ذلك في اعتراف العديد من الدول الأوروبية بدولة فلسطين، كانت في عداد الأكثر دعما لإسرائيل. في المقابل، لم يعد الكفاح الفلسطيني معزولاً. فقد أدت وحشية الحرب، إلى جانب ضغوط خطة ترامب نفسها، إلى تسليط الضوء على العزلة العالمية لإسرائيل وتآكل الدعم الغربي غير المشروط. وتحولت الخسائر الفلسطينية إلى قوة ضغط قانونية ودبلوماسية، وقد أشارت الصحف العالمية إلى أن الدعم غير المشروط لإسرائيل بات يشكل عبئاً أخلاقياً وقانونياً على حلفائها، خاصة بعد تسريب تقرير أجرته وزارة الخارجية الأمريكية يوثق فيه مئات الانتهاكات الجسيمة في غزة، التي تدفع إلى وقف الدعم عن إسرائيل، حسب «قانون ليهي» لحقوق الإنسان. وقد بدأ الضغط السياسي الدولي يحد من خيارات رئيس الوزراء الإسرائيلي: «خطة ترامب لغزة وقرار مجلس الأمن الدولي يضعان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو تحت ضغط دولي غير مسبوق لتحديد موقفه من الدولة الفلسطينية» (تحليل في صحيفة «هآرتس» 19 نوفمبر 2025).
الأهم من ذلك، أنّ الدعم غير المشروط لإسرائيل بدأ يتآكل داخل الولايات المتحدة، خاصة بين الأجيال الشابة والقيادات الليبرالية. هذا التغير، الذي أظهرته استطلاعات الرأي الأمريكية، هو أهم مؤشر على التحول في معادلة القوة. فقد أظهر استطلاع لـ «مركز بيو للأبحاث» أنّ 59% من الأمريكيين يحملون رأياً سلبياً تجاه الحكومة الإسرائيلية، وهو ارتفاع عن 51% في استطلاع أجرته أوائل 2024. (مركز بيو للأبحاث 3 أكتوبر 2025). يشير هذا التراجع الحاد في تأييد الحكومة الإسرائيلية إلى أنّ موجة التضامن الشعبي في الجامعات والميادين، بدأت تُترجم إلى تغيير في الرأي العام، ما يقلص من قدرة الإدارات الأمريكية، الحالية والمقبلة، على توفير «غطاء بلا ثمن» لإسرائيل.
ثالثاً: رؤية فلسطينية جديدة تستند إلى الوحدة كعامل ذاتي للنهوض: هذه التحولات ليست نهاية المطاف، بل هي نافذة تاريخية يجب على القيادة والنخب الفلسطينية استغلالها عبر بناء العامل الذاتي. إنّ اليأس هزيمة مجانية؛ بينما الأمل استثمار في الانهيار الهيكلي للعدو ونظام داعميه. لذا، إنّ تحويل الخسائر الفادحة إلى فرصة، يجب على القوى الفلسطينية أن تركز على محاور عمل جديدة، منها:
الوحدة الوطنية الفاعلة، أي تجاوز الانقسام الفصائلي الضيق وبناء جبهة وطنية موحدة تستمد شرعيتها من تضحيات الشعب مهما بلغت درجة الاختلافات. فالوحدة هي السد المنيع أمام محاولات الاحتلال لتطبيق «التهجير» و «السيطرة الأمنية المؤقتة».
التعاون الاقتصادي للنهوض، حيث يجب أن تركز الرؤية الجديدة على إقامة صندوق إعمار وطني تديره كفاءات بعيدة عن الفساد، ويكون أداة لإعادة بناء المجتمع والبشر قبل الحجر، وليس مجرد ترميم للمباني أو إعادة بنائها. هذا الصندوق يجب أن يكون رافداً لتعزيز القدرة الشرائية لأهالي غزة بشكل عاجل، وأيضا لأهالي الضفة، ودعم صمود السكان في الداخل الفلسطيني كلّه، حتى لا يجدوا أنفسهم مضطرين للهجرة بحثاً عن الرزق (كما أشارت تحليلات أسواق غزة بعد وقف إطلاق النار ـ الجزيرة نت 16 أكتوبر 2025).
المقاومة الشاملة عبر الانتقال إلى نموذج مقاومة يُدمج فيها الكفاح المسلح، حيث تدعو الحاجة إليه، مع الضغط الدبلوماسي والقانوني في محكمة العدل الدولية، والمقاومة الشعبية المستمرة في الضفة الغربية (التي شهدت تصاعداً في عنف المستوطنين حتى بعد وقف إطلاق النار، حسب صحيفة «الغارديان»، ونقلاً عن تحليل لصحيفة «هآرتس» 19 نوفمبر 2025).
إنّ الانهيار الإسرائيلي الداخلي الذي بدأ ينكشف يوما بعد يوم مع سكوت أصوات القصف وقرقعة السلاح، فضلا عن تفكك هيمنة الحلفاء، يخلق أرضية أكبر لمقاومة سياسات الاحتلال مما كانت عليه قبل 7 أكتوبر. هذا هو أساس الأمل الواقعي. إنّ ثمن صمود الفلسطينيين والخسائر الفادحة، يجب أن يدفع ثمنه الاحتلال الآن. ليس بدم جنوده فقط، بل بانهيار اقتصاده، وتفتت مجتمعه، وتزايد عزلته عالمياً وعدم اليقين ببقاء إسرائيل نفسها عند الآلاف من الإسرائيليين. المطلوب اليوم هو قيادة تدرك العبر وتستثمر في هذا التصدع التاريخي وفي رؤية الجانب الملآن من الكأس. على أي حال لا يملك الشعب الفلسطيني ترف اليأس، لا الآن ولا في أيّ أوان.
• عن القدس العربي

مشاركة