جهاد الرنتيسي: الإبداع صوت مقاومة لا تسكته الحروب
السبت 1/02/2025تفتح رواية “شامة سوداء أسفل العنق” لجهاد الرنتيسي هامشاً واسعاً لاطلالة على عوالم الحروب والخيبات، لتضيف جديداً إلى روايتيه السابقتين “بقايا رغوة” و”خبايا الرماد” وتكشف عن ملامح أخرى لرباعيته التي يعكف عليها منذ سنوات.
القاهرة – حسين عبد الرحيم
*تفتح رواية “شامة سوداء أسفل العنق” لجهاد الرنتيسي هامشاً واسعاً لإطلالة على عوالم الحروب والخيبات، لتضيف جديداً إلى روايتيه السابقتين “بقايا رغوة” و”خبايا الرماد” وتكشف عن ملامح أخرى لرباعيته التي يعكف عليها منذ سنوات.
تجاوز حوارنا معه الرواية الصادرة عن دار المرايا مؤخراً، ليمتدّ إلى جوانب أخرى من مشروعه الروائي، حضور العشق والموت فيه رغم الخيبات المتلاحقة، وقدرتهما على تحدي هدير آلة القتل.
وكان لا بد من التوقف عند اهتماماته النقدية وانشغالاته بالأنا الشرقية والآخر الغربي، تجليات المشهد النقدي، إثر الإبداعات الروائية المصرية في أدواته، ومآلات الإبداع الفلسطيني في ظل التحولات المتلاحقة.
عمق التحولات
*بدأت بكتابة القصة، ثم أصدرت ثلاث روايات، بينما تعكف على كتابة الرابعة، وتساجل بين الحين والآخر حول المشهد الروائي العربي، ما هي دوافعك لكتابة الرواية؟
وجدت في القصة ما يكفي لتفريغ الشحنات الذهنية والنفسية والبصرية المتراكمة، وبحكم واقعي الطبقي وطريقة تفكيري انحزتُ للشرائح الدنيا من المجتمع، كنت أعيش في الكويت ذلك الزمن، وعلى احتكاك يومي بطيف واسع من الوافدين العرب والأسيويين، وفئة دون الجنسية… وبطبيعة الحال، لكل واحد من هؤلاء الناس عوالمه و ظروفه وأحلامه. ونظراً إلى إمكانية نشر القصص القصيرة في الصحف، لم أفكر في إصدار مجموعة قصصية، وإنما اكتفيت بنشر قصصي في الملاحق الثقافية.
فكرة كتابة الرواية، كيف جاءت؟
جاءت فكرة كتابة الرواية مع الدخول العراقي إلى الكويت، كانت لحظة تحولات في أنماط حياة الناس، تسارعت فيها حركة الزمن بعد انفلاته من حالة الرتابة، إلى الحد الذي تستحيل ملاحقته بالقصص القصيرة. أيقنتُ يومها ضرورة الاتجاه نحو شكل آخر من الكتابة، شكل يستوعب كل هذه المتغيرات.
كتبت خلال تلك الاشهر عدة فصول من رواية، جئت بها إلى عمّان عند مغادرتي، وفي نيتي إكمالها على ضوء خزين الذاكرة والمستجدات، لكني اضطررت الى تنحيتها جابنا لأنشغل بالصحافة وهمومها، وحين عدت الى المخطوطة لم أجد فيها غير يوميات ومشاهدات ساذجة لزمن الكويت خلال الوجود العراقي، لا تنفد بأي حال من الاحوال الى عروق تجربة الفلسطينيين في تلك البلاد، التي امتدت لنصف قرن او يزيد، ولا تكفي لرصد عمق التحولات.
تطورت النظرة للرواية والتجربة خلال سنوات الانقطاع عن المخطوط الذي قدرت انه رواية قيد الانجاز، حرصت على رؤية المشهد بعيون اكثر من جيل وشريحة، من أجل الوصول الى انماط التفكير، تكوّن الاحاسيس، انفلاش العلاقات في ذلك الزمن، وجدت ضرورة لرصد محركات السياسة التي عبثت بمصائر البشر، وايجاد التكنيك الملائم لتشظيات الكائنات التي اتناول حكاياتها، استعنت بما أتاحه زمن العولمة من سيولة.
قراءة المشهد
*ما مدى رضاك عما انجزته من الخطة، وهل تعتقد بأنك استطعت استعادة أطراف خيوط الزمن الذي أفلت منك وحال دون استمرارك قاصّاً؟
أجد في ما توصلت اليه من بحث وكتابة مفاتيح فهم تاريخ سياسي ما زالت أبوابه موصدة، رغم اعتقادنا الساذج بمعرفة ماضينا، تسوقني ارتداداته الى فهم مختلف لعذابات الناس وأوجاعهم، حيواتهم وخياراتهم.
صدرت “بقايا رغوة” عن دار البيروني في عمان لتقرأ المشهد بعيني غادة الاسمر وخيباتها، ولجتُ باباً آخر من أبواب الخائبين مع تقصي تجربة رشاد الناجي في رواية “خبايا الرماد” التي صدرت عن الدار ذاتها. أخرجتُ بعض التاريخ من تغييب دأبت عليه ماكينات الاعلام الرسمية في رواية “شامة سوداء اسفل العنق” الصادرة أخيراً عن دار المرايا في القاهرة. وأجد صعوبة في إصدار الاحكام قبل الانتهاء من الرباعية.
*بدأت الكتابة في زمن الحروب، حدثت حروب أخرى خلال انشغالك برباعيتك الروائية، هل كان دافعك للكتابة إنساني أم وجودي؟
نعيش في منطقة أدمنت الحروب، لا تعرف الاستقرار، نتوارث آثار الدمار والموت والنزوح جيلاً بعد جيل، وندفع فواتير ما نرثه من سلامنا الداخلي. لم تتح لنا الازمات وتداعياتها بناء العوالم التي تليق بإنسانيتنا، لهذه الظروف قدرتها على طرح الاسئلة وإجبارنا على التفكير فيها، وفي مثل هذه الاحوال يتداخل الانساني والوجودي، لكنني أميل الى الاول، وأرى الثاني ترفاً في ظل هذه التراجيديا.
*على ضوء الحديث عن الحروب، يعلو صوت الإبادة والدمار على متطلبات البقاء، أي مستقبل للابداع الفني والادبي؟
حروب الابادة ليست جديدة على العالم، عاش الناس قبلنا حرباً عالمية اولى وثانية، والذين سبقوهم حروباً يصعب حصرها على مدى التاريخ، انهارت امبراطوريات وظهرت اخرى.
حدثت أبشع الجرائم خلال الحروب التي عرفتها البشرية، لا استطيع تجاهل هيروشيما وناكازاكي مثلاً حين اتابع احداث غزة ولبنان، وارى بعض ما عرفته عن مقاومة ستالينغراد في صمود الغزيين واللبنانيين وحروب الاستقلال التي خاضتها شعوب امتنا من قبل. ما أريد قوله ان الابداع صوت مقاومة لا تسكته الحروب.
*قبل ان نبتعد عن مناخات الحروب التي تعيشها المنطقة، واخرى يشهدها الكوكب، هل ينتهي حلم الكاتب بالخلاص بعد الانتهاء من كتابة النص؟
افترض الوعي والمعرفة والانحياز لقيم الخير والجمال في المبدع، وأضع في عين الاعتبار قدرته على قراءة المخفي بين مسارات الحياة وصعوباتها، واستشراف المستقبل.
*يحضر الحب والعشق في نصوصك رغم الاحباطات التي تعيشها شخصياتك، ما يطرح تساؤلات عن قدرة هذه الرغبات على العيش في زمن الموت والخراب، هل جاء هذا الحضور رداً أم تعويضاً عن الانكسارات؟
هناك اجتهادات لا تحصى حول العشق، لكنها تتفق على اعتباره مفردة انسانية، ولا أظنها تختلف على كونه نتاج رغبات وتفاعلات جسدية ونفسية، قد يكمن او يظهر، لكن كمونه وظهوره لا يعنيان غيابه، يبقى حاضراً في التفكير والحس البشري، مثل الالم والعذابات.
يمكن تفسير حضوره باعتباره ملاذاً من الاحباطات التي أشرت اليها في سؤالك، أو تعبيراً مضمراً بالرغبة في الحياة، وقد يأخذ شكل الفعل الغريزي للحفاظ على الكائن البشري، وربما البحث القيمة واللذة. لهذه الاسباب ولغيرها يبقى الحب والعشق حاضرين في حياة الانسان.
*تتابع المشهد النقدي العربي عن كثب، تساهم فيه بين الحين والآخر، لا يخلو الامر من توجيهك انتقادات لمنجزه، كيف تعامل النقاد مع رواياتك، وما مدى رضاك عن هذا التعامل؟
احرص على الاصغاء الى آراء الاصدقاء حول ما أكتب، أتوقف عند الملاحظات التي أسمعها أو أقرأها، سواء أكانت سلبية أم ايجابية، أرى في ذلك ضرورة للتقييم، وآخذه في عين الاعتبار. يختلف تلقي النص بين ناقد وآخر، نتيجة عوامل عدة، بينها قدرته على التذوق، الجانب المعرفي الذي يفتقر له بعض النقاد، الأدوات المستخدمة في النقد، اعتياد بعضهم على سطحية القراءة…
- عن النهار اللبنانية